أكد الدكتور مصطفى الشربيني، المراقب باتفاقية باريس بشأن تغيّر المناخ ورئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، أن التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة تمثل تحديًا بيئيًا ومناخيًا بالغ الخطورة، مشيرًا إلى أن أي عمليات عسكرية واسعة النطاق في بيئة نفطية وصناعية معقدة تخلّف آثارًا مباشرة على جودة الهواء والمياه والتربة، فضلًا عن انعكاساتها بعيدة المدى على مسار العمل المناخي العالمي.
وقال الشربينى ، فى تصريح خاص لوكالة أنباء الشرق الأوسط (أ ش أ)، إن العالم يعيش لحظة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن الجيوسياسي مع التحديات المناخية بصورة غير مسبوقة، وأن التصعيد العسكري، خاصة في منطقة تُعد من أكبر مناطق إنتاج ونقل الطاقة الأحفورية عالميًا، لا يمكن تقييمه فقط من زاوية عسكرية أو سياسية، بل يجب النظر إليه باعتباره حدثًا ذا أبعاد بيئية إقليمية وعالمية.
وأشار إلى أن المنظومات العسكرية الحديثة تعتمد على استهلاك كثيف للطاقة، حيث تستخدم الطائرات المقاتلة بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، والصواريخ الموجهة، والمركبات البرية الثقيلة كميات ضخمة من الوقود الأحفوري خلال فترات زمنية قصيرة.
ولفت إلى أن احتراق وقود الطيران في الطلعة الواحدة ينتج أطنانًا من ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، ومع تكرار العمليات العسكرية؛ تتراكم هذه الانبعاثات بصورة مفاجئة ومركزة، ما يؤدي إلى تدهور فوري في جودة الهواء وارتفاع المخاطر الصحية على السكان.
وأضاف الشربينى أن استهداف منشآت النفط والغاز أو المصافي أو خزانات الوقود يضاعف من حجم التأثير البيئي، إذ يؤدي احتراق المواد الهيدروكربونية في بيئة مفتوحة إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة والكربون الأسود والمركبات العضوية المتطايرة.. لافتا إلى أن الكربون الأسود يتمتع بقدرة عالية على امتصاص الإشعاع الشمسي، ما يسهم في رفع درجات الحرارة محليًا ويؤثر في التوازن الإشعاعي، وهو ما قد يزيد الضغط على منظومات الطاقة نتيجة ارتفاع الطلب على التبريد، في حلقة متشابكة من التأثيرات المناخية.
وأوضح أن الأضرار لا تتوقف عند حدود الهواء، بل تمتد إلى التربة والمياه الجوفية، حيث قد يؤدي القصف الذي يطال البنية التحتية الصناعية إلى تسرب مواد كيميائية ونفطية تبقى في البيئة لسنوات طويلة، وتنتقل عبر السلسلة الغذائية، بما يهدد الأمن الغذائي والصحي، كما أن المعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر والمتفجرات قد تؤثر في خصوبة التربة وتقلل الإنتاج الزراعي، فضلًا عن ارتفاع تكاليف المعالجة البيئية مستقبلًا.
وتطرق إلى التأثيرات غير المباشرة للتصعيد، مشيرًا إلى أن اضطراب أسواق الطاقة العالمية قد يدفع بعض الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها في مزيج الطاقة، وربما العودة مؤقتًا إلى مصادر أكثر كثافة في الانبعاثات لتعويض أي نقص في الإمدادات، الأمر الذي قد يؤخر تنفيذ الالتزامات الدولية بخفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.
وأكد أن الأثر المناخي للحروب لا ينتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل يمتد إلى مرحلة إعادة الإعمار، التي تتطلب استهلاك كميات كبيرة من الأسمنت والصلب والطاقة، وهي قطاعات معروفة بارتفاع بصمتها الكربونية، مشددًا على أهمية تبني مفهوم “إعادة الإعمار منخفضة الكربون” ضمن أي ترتيبات مستقبلية.
كما أشار إلى أن حركة الرياح في المنطقة قد تنقل الملوثات والجسيمات الدقيقة إلى دول مجاورة، ما يجعل التأثير عابرًا للحدود السياسية، ويستدعي تعاونًا إقليميًا لرصد جودة الهواء والمياه وتبادل البيانات البيئية خلال فترات الأزمات.
وشدد الشربيني على ضرورة إدراج الانبعاثات العسكرية ضمن منظومات القياس والإبلاغ الوطنية لتعزيز الشفافية، مؤكدًا أن تحقيق أهداف المناخ العالمية يتطلب احتساب جميع مصادر الانبعاثات دون استثناء. واختتم تصريحه بالتأكيد على أن إدماج البعد البيئي في تقييم النزاعات ومفاوضات ما بعد النزاع لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار المستدام وحماية الموارد الطبيعية وحقوق الأجيال القادمة.