في ليالي رمضان، حين تتجاور أنوار الفوانيس مع خشبات المسارح، وتتعانق التواشيح مع ضحكات الأطفال في ورش الحكي، ترسم الهيئة العامة لقصور الثقافة خريطة إبداع ممتدة من الدلتا إلى القناة، ومن الشرقية إلى الجيزة والغربية، عبر برنامج ثقافي وفني ثري يحتفي بالشهر الكريم ويمنح المواهب الشابة والجمهور على السواء مساحة للدهشة والتأمل.
نوادي المسرح بالشرقية.. أسئلة الذاكرة والحلم
في قصر ثقافة الزقازيق، شهدت خشبة المسرح عرضين جديدين ضمن عروض نوادي المسرح بفرع ثقافة الشرقية، في إطار دعم الطاقات المسرحية الشابة بالمحافظات، جاء العرضان بحضور لجنة تحكيم ضمت المخرج محمد الزيني، ومهندسة الديكور رانيا الحداد، والكاتب سامح عثمان، ورشا محمد من الإدارة العامة للمسرح.
العرض الأول حمل عنوان "مالك" تأليفًا وإخراجًا لمحمد المنسي، وطرح فكرة إنسانية مؤثرة تدور حول شخص يعاني من مرض الزهايمر، فيجد نفسه في مواجهة ذاكرة تتآكل يومًا بعد يوم. يقرر البطل توثيق تفاصيل حياته بالفيديو، كأنما يقاوم العدم بعدسة كاميرا، حتى يعثر على خطاب قديم من والدته يكشف له عن تضحيات أبيه، فتتصاعد الأحداث في منحنى درامي يمزج الألم بالامتنان، شارك في العرض فريق فني متكامل في الديكور والموسيقى والإضاءة والاستعراضات، ليخرج العمل في صورة تعكس جدية تجربة نوادي المسرح وثراء عناصرها.
أما العرض الثاني فجاء بعنوان "حفلة 9" تأليف أحمد عبد الرازق، وأشعار وإخراج أحمد عباس، ويدور حول بائع ورد يقف أمام دار سينما، يحلم منذ طفولته بدخولها لمشاهدة فيلم، لكنه يصطدم بواقع مادي قاسٍ يحول بينه وبين حلمه.
العمل قدّم رؤية شاعرية عن الفقر والحلم، وشارك في بطولته مجموعة من الشباب والأطفال، مدعومين بعناصر دراما حركية وموسيقى واستعراضات، لتتحول الحكاية إلى لوحة مسرحية عن التوق الإنساني البسيط في مواجهة التعقيد الاجتماعي.
العرضان من إنتاج الإدارة العامة للمسرح برئاسة سمر الوزير، التابعة للإدارة المركزية للشئون الفنية برئاسة الفنان أحمد الشافعي، وإدارة النوادي برئاسة المخرج محمد الطايع، وقدما بالتعاون مع إقليم شرق الدلتا الثقافي برئاسة الكاتب أحمد سامي خاطر، وفرع ثقافة الشرقية، وتختتم الفعاليات بتقديم عرضي "الكرامازوف" إخراج شهاب حسين، و"تأثير جانبي" إخراج عصام إيهاب، في تأكيد لاستمرار الحراك المسرحي طوال الشهر.
الإسماعيلية.. التراث الشعبي يتجدد
وفي قصر ثقافة الإسماعيلية، تواصلت فعاليات ليالي رمضان الثقافية والفنية وسط حضور جماهيري لافت. وقدمت فرقة الإسماعيلية للفنون الشعبية باقة من الفقرات المستوحاة من التراث المصري، منها "الصيادين" و"جاني الجميل" و"بتغني لمين" و"التنورة" و"نوح الحمام" و"الضمة"، بمصاحبة أغنيات تراثية قدمها الفنان ماهر كمال، فامتلأت الساحة بإيقاعات السمسمية وروح البحر.
كما شهدت الليلة عرض مسرح عرائس، إلى جانب فقرات لفرقة أطفال الإسماعيلية للفنون الشعبية، التي قدمت عروضا على أنغام السمسمية مثل "على شط البحر" و"عدى النهار"، في مشهد يعكس تواصل الأجيال عبر الفن.
وعلى مستوى الورش، تنوعت الأنشطة بين الحرف اليدوية والفنون التشكيلية؛ حيث قدمت شهيرة محمد ورشة مكرمية للتعريف بالغرزة المربعة وتصميم تابلوهات، فيما استعرضت آية حجاب في ورشة "فن الكونكريت" مراحل الصب داخل القوالب ونسب الخلط الصحيحة، وقدمت هبة محمد ورشة لتصميم حقيبة بالخرز باستخدام الغرزة الرباعية. واختتم اليوم بأمسية شعرية أدارها الأديب جمال حاتم، وشارك فيها شعراء قدموا نصوصا تنوعت بين الذاتي والوجداني والاحتفائي بروح الشهر الكريم.
الفعاليات تقام بإشراف إقليم القناة وسيناء الثقافي برئاسة أحمد يسري، وفرع ثقافة الإسماعيلية برئاسة شيرين عبد الرحمن، وتستمر حتى 19 رمضان ضمن برنامج متكامل.
الجيزة.. زينة رمضان والأبطال الصغار
وفي الجيزة، اتخذت الفعاليات طابعا يجمع بين التأمل في التراث وتدريب الأطفال على الإبداع. ففي مكتبة الطفل والشباب بالأقواز، أقيمت محاضرة بعنوان "زينة رمضان بين التراث والابتكار" تحدثت خلالها الباحثة هند عبد الله عن دلالات الزينة الرمضانية وتحولاتها الثقافية والاجتماعية، مؤكدة أنها لم تعد مجرد عنصر جمالي، بل صارت تعبيرا عن هوية وذاكرة جماعية.
وفي قصر ثقافة الحي السادس، نُفذت ورشة حكي بعنوان "أبطال رمضان الصغار" تناولت مسلسلات الأطفال الرمضانية التي أسهمت في تشكيل وجدان أجيال، أعقبها تدريب عملي على صناعة الفوانيس الورقية، كما شهد بيت ثقافة أوسيم ورشة "اصنع لعبتك" بالتعاون مع دار الجنات، إلى جانب ورش لتصميم شخصيات رمضانية وكروت تهنئة، وأخرى حول جماليات الحرف العربي والزخرفة.
الأنشطة تقام بإشراف إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي برئاسة أحمد درويش، وفرع ثقافة الجيزة برئاسة كرم ربيع، في إطار خطة تستهدف تنمية الذائقة الفنية لدى الأطفال والشباب.
المحلة الكبرى.. إنشاد وتراث على مسرح 23 يوليو
وفي الغربية، احتضن مسرح مسرح 23 يوليو بمدينة المحلة الكبرى خامس ليالي رمضان الثقافية، حيث قدمت فرقة غزل المحلة للموسيقى العربية باقة من الأغاني التراثية، أعقبتها ابتهالات وتواشيح دينية مثل "الرضا والنور" و"لأجل النبي" و"القلب يعشق كل جميل" بقيادة المايسترو أحمد نفاده.
وتفاعل الجمهور مع عروض التنورة التراثية ومسرح العرائس، إلى جانب فقرات أناشيد قدمتها مواهب صغيرة بالمحافظة، كما نظم قصر ثقافة المحلة لقاءات توعوية حول أهمية الحفاظ على الممتلكات العامة، ونفذت مكتبات وبيوت ثقافة بالمحافظة ورش حكي للأطفال عن فضائل الصيام، بالتوازي مع ورش مشغولات يدوية بخامات معاد تدويرها في قصر ثقافة طنطا.
وتقدم الهيئة العامة لقصور الثقافة أكثر من 679 فعالية كبرى خلال شهر رمضان في ثمانية مواقع مركزية بالقاهرة والأقاليم، إضافة إلى مئات الأنشطة بالمواقع التابعة لها في مختلف المحافظات، لتؤكد أن الثقافة ليست فعالية عابرة، بل طقس يومي يوازي طقوس الشهر الكريم، ويمنح لياليه بعدًا من الجمال والمعنى.