في توقيت دقيق تشهده المنطقة تأتي المناسبة السنوية لإفطار القوات المسلحة المصرية بحضور الرئيس السيسي لتتجاوز كونها مجرد مناسبة احتفاليه أو مناسبة اجتماعية تقليدية لكنها في هذا العام تاتي كإشارة استراتيجية صيغت بلغة الأمن تترجم فيها لغة القوة إلى خطاب سياسي وأمني واضح مصر حامية السلام وصانعة التوازن ورافضة للانجرار وراء رغبات الآخرين في صراعات مسلحة ومدركة تماما أن أمنها القومي يمتد جذوره في أعماق الاقتصاد والماء والغذاء.
ففي الأوقات التي تشتعل فيها حدود الدول ويشعر فيها الشارع العربي بالمخاوف من امتداد لهيب الحروب إليهم يتصدر الاطمئنان قائمة الأولويات المصرية وكان هذا واضح في حفل إفطار القوات المسلحة هذا العام الحفل الذي حمل في طياته رسالة مزدوجة للشعب المصري مفادها أن مؤسستكم العسكرية صاحبة العقيدة الراسخة تمتلك زمام الأمور وللإقليم أن مصر هي الآمنة الثابته الذي تدور حولها المتغيرات ولا تتغير وهي صمام الأمان للجميع والطمأنينة هنا لا تعني الغفلة عن الخطر بل تعني السيطرة على المشهد.
فالدولة المصرية تدرك أن الخوف عدو لعجلة الإنتاج والقلق قاتل لمناخ الاستثمار وبالتالي فإن تهدئة الرأي العام هو جزء من منظومة الأمن القومي بقدر أهمية تأمين الحدود الجيش والشعب على مائدة واحدة يرسلان رسالة بأن الالتحام هو خط الدفاع الأول قبل أي دبابة أو صاروخ
ففي عالم تجبر فيه الدول الصغرى على اختيار طرف تحتمي تحت عبائتة تأتي مصر لتؤكد أن مصالحها القومية وامنها هي الثوابت الوحيده الذي تنحاز إليها القيادة السياسية فمصر لا تغلق أبوابها بل تفتحها للجميع كوسيط نزيه وكقوة إقليمية تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع كل الفاعلين لضمان تدفق المعلومات والقدرة على الوساطة هذا النهج يحمي العمق العربي والإفريقي لمصر من أن يصبح ساحة لتصفية حسابات دولية ويؤكد أن القرار المصري يصاغ في القاهرة فقط.
ولا يكتمل فهم الرسالة الاستراتيجية لإفطار القوات المسلحة دون الربط بين الاستقرار السياسي والأمن الاقتصادي في عالم تعتمد فيه التجارة العالمية على الممرات المائية فإن أي تصعيد في البحر الأحمر أو الخليج يهدد مباشرة حركة الملاحة في قناة السويس شريان الاقتصاد المصري واستقرار المنطقة يعني استقرار التدفقات المالية وحماية لمكاسب التنمية التي تسعى الدولة لتحقيقها.
والفوضى في المنطقة تعني تهديدا للموارد الاستراتيجية ومصر تدرك أن أمنها المائي والغذائي مرتبط باستقرار دول الجوار ولا يمكن بناء سور عالي يحمي مصر بينما يحترق دول المنطقة لأن بارود الحروب يصل حتما إلى المزروعات ومصادر المياه لذالك فإن الدعوة للاستقرار هي دعوة لحماية لقمة العيش وقطرة الماء للمواطن المصري البسيط قبل أن تكون حماية للأرض.
وهنا يظهر دور الدبلوماسية العسكرية حيث تلعب القوات المسلحة دورا محوريا يتجاوز القتال إلى بناء الجسور عبر التدريبات المشتركة والزيارات الرسمية والتي ترسل رسائل طمأنة للشركاء الإقليميين بأن مصر قوة استقرار وليس قوة تهديد مصر بجيشها العريق وقدراتها الدفاعية الهائلة هي من تملك رفاهية اختيار التفاوض أما الضعيف يحارب لأنه لا يملك خيارا والقوي يتفاوض لأنه يملك البدائل ويدرك أن الاستقرار هو الطريق الوحيد للتنمية.
الرسالة واضحة والباب مفتوح دائما للحلول السياسية لكن اليد التى تحمل السلاح جاهزة لحماية الأرض إذا ما انتهك الآخر خطوط السيادة هذا هو مفهوم السلام المسلح الذي يضمن احترام الجميع لمصر.
وبقراءة مشهد إفطار القوات المسلحة تمنحنا اليقين بأن مصر تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ دورها كدولة ارتكاز في الشرق الأوسط الرسالة النهائية هي أن الاستقرار ليس هبة بل هو صناعة تتطلب حكمة وصبرا وقوة ردع كافية لجعل الجميع يفضلون لغة الحوار على لغة الدمار دمج الأبعاد الاقتصادية والوجودية مع الرؤية العسكرية يؤكد أن مصر لا تحمي حدودها فقط بل تحمي مستقبل أبنائها واقتصادها ومواردها مصر تقول للعالم بلسان حال جيشها وشعبها نحن هنا لنحمي أنفسنا ولننبني منطقتنا ولن نسمح لأحد بأن يحول أرضنا إلى ساحة حرب لأن سلامنا هو طريق تنميتنا وأمننا هو ضمان مستقبل اولادنا حفظ الله مصر حفظ الله الجيش.