في الوقت الذي تحلق فيه كبسولة Orion حول القمر ضمن مهمة Artemis II، تبدو الحياة على متنها أقرب إلى يوميات بشرية مألوفة أكثر مما يتخيل الكثيرون فبعيدا عن الصورة الرومانسية لرواد الفضاء، يتناول الطاقم الفطائر والكسكس، ويلتقط الصور بهواتفهم، يعالجون أعطال البريد الإلكتروني بل ويصلحون مرحاضا معطلا.
رحلة الطاقم الأربعة تستمر نحو عشرة أيام في مدار القمر داخل مساحة لا تتجاوز حجم شاحنة صغيرة، ما يجعل كل تفصيل يومي تحدياً بحد ذاته.
استعداد يشبه “التخييم الفضائي”
وصفت رائدة الفضاء Christina Koch التحضير للمهمة بأنه أشبه بالاستعداد لرحلة تخييم طويلة، لكن في الفضاء السحيق.
وقد جرى تزويد الكبسولة بصندوق طعام يحتوي على 58 فطيرة، و43 كوبا من القهوة، وبروكولي، وصدور لحم مشوي، إلى جانب خمسة أنواع من الصلصات الحارة.
أزمة المرحاض وأول اختبار عملي
لكن أكثر ما لفت الانتباه في الساعات الأولى من الرحلة لم يكن الطعام أو المشاهد القمرية، بل المرحاض.
فخلافا لرواد مهمات Apollo program الذين استخدموا أكياساً خاصة لقضاء حاجاتهم، يتمتع طاقم “أرتيميس” بمرحاض فعلي غير أن عطلا مفاجئاً أصابه في أول 24 ساعة.
وتولت كريستينا كوك بنفسها إصلاحه، معلنة بفخر:“أنا سمكرية الفضاء… وأذكركم أن هذا هو الجزء الأهم في المركبة”.
الجلبة الناتجة عن استخدام المرحاض مرتفعة إلى حد أن الطاقم يضطر لارتداء سماعات لتفادي الضجيج.
ويصف هانسن المكان بأنه “الركن الوحيد الذي يمكن الشعور فيه ببعض العزلة”.
مشاكل تقنية في البريد الإلكتروني
لم تتوقف التحديات عند هذا الحد فخلال بث مباشر لوكالة NASA، سُمع قائد المهمة Reid Wiseman يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني، قبل أن يتدخل فريق الدعم من مركز هيوستن لمعالجة الخلل.
حتى في الفضاء، يبدو أن الأعطال التقنية لا تترك البشر وشأنهم.
النوم كالوُطواط في انعدام الجاذبية
في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، يصبح النوم تحدياً آخر الحل كان تثبيت أكياس نوم على جدران الكبسولة لمنع الرواد من “السباحة” داخلها أثناء النوم.
ويمازح وايزمن زملاءه قائلاً إن كريستينا تنام “معلقة رأساً على عقب مثل الوطواط”، مؤكداً أن الوضعية مريحة أكثر مما يتوقع البعض.
تمارين يومية وهواتف ذكية
انعدام الجاذبية يؤثر على اللياقة البدنية، لذلك يلتزم الطاقم بتمارين يومية لمدة نصف ساعة باستخدام تجهيزات رياضية مدمجة داخل المركبة.
كما سمحت ناسا حديثاً باستخدام الهواتف الذكية داخل المركبات الفضائية، ما يتيح للرواد توثيق لحظاتهم الخاصة ومشاركتها مع عائلاتهم والعالم.
بين مهمة بمليارات الدولارات وفرحة طفل
رغم أن “أرتيميس 2” مهمة علمية واستراتيجية ضخمة، فإن المشاعر الإنسانية تبقى حاضرة بقوة.
يقول جيريمي هانسن:
“أشعر وكأنني طفل”.
أما Victor Glover، أول شخص أسود يسافر في مهمة حول القمر، فقال عند الإقلاع:“تحاول أن تحافظ على مهنيتك… لكن الطفل بداخلك يريد أن يصرخ فرحاً”.
بشر في الفضاء بتفاصيل أرضية
تكشف يوميات “أرتيميس 2” حقيقة بسيطة فحتى في مدار القمر، يظل رواد الفضاء بشراً يواجهون تفاصيل الحياة اليومية نفسها من الطعام، إلى الأعطال التقنية، إلى البحث عن لحظة خصوصية، فوق كل التعقيد العلمي والتكنولوجي، تبقى التجربة الفضائية رحلة إنسانية بامتياز.




