إنّ الإحساس بالوخز الحارق الذي ينتشر على اللسان عند قضم فلفل الهالبينو ليس مجرد إحساس بالنكهة، بل هو بمثابة حوار بيولوجي عميق يجريه الجسم، وتشير الدراسات العلمية بشكل متزايد إلى أهمية تكرار هذا الحوار، إنّ العنصر الأساسي في هذا التفاعل عند تناول الأطعمة الحارة هو الكابسيسين، المركب المسؤول عن حرارة الفلفل الحار. من الناحية التقنية، لا يُسبب الكابسيسين حرقًا فعليًا للفم، بل يُوهم مستقبلات الألم بأنها مشتعلة، مما يُحفز سلسلة من الاستجابات البيولوجية. يرتبط الكابسيسين بمستقبلات TRPV1، وهي قنوات عصبية موزعة في جميع أنحاء الجسم، في الدماغ والأوعية الدموية والأمعاء والجلد. ونظرًا لانتشار هذه المستقبلات على نطاق واسع، يعتقد الباحثون أن الآثار الصحية المحتملة للكابسيسين قد تكون مجرد بداية.
إحدى أكثر النتائج التي تم الاستشهاد بها في هذا المجال جاءت من دراسة واسعة النطاق مرتبطة بجامعة هارفارد. فحص الباحثون ما يقرب من 500,000 بالغ صيني، ووجدوا أن أولئك الذين يتناولون الطعام الحار بشكل شبه يومي لديهم خطر أقل بنسبة 14% للوفاة المبكرة مقارنةً بمن يتناولونه أقل من مرة واحدة في الأسبوع. وأكدت مراجعة منفصلة نُشرت عام 2020 هذه النتائج، حيث كان الأشخاص الذين يتناولون الفلفل الحار بانتظام أقل عرضة للوفاة قبل الموعد المتوقع بنحو 25%، مقارنةً بمن نادراً ما يتناولونه أو لا يتناولونه على الإطلاق. وعزا الباحثون جزءاً كبيراً من ذلك إلى التأثيرات المضادة للالتهابات والتأثيرات الأيضية لمادة الكابسيسين.
يبدو أن فوائد الكابسيسين تمتد لتشمل أنظمة متعددة في الجسم. فقد وجدت دراسة استمرت ثلاثة أشهر أن الكابسيسين يقلل بشكل ملحوظ من عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب لدى البالغين الذين يعانون من انخفاض مستويات الكوليسترول الجيد (HDL)، ويعزو الخبراء ذلك على الأرجح إلى خصائصه المضادة للالتهابات. في الوقت نفسه، يبدو أن الأطعمة الحارة تزيد من تنوع الميكروبيوم، مما قد يدعم عملية الهضم ووظائف المناعة والصحة العامة. وقد لاحظ بعض الباحثين وجود صلة محتملة بين الكابسيسين وتسكين الألم وعلاج حالات الاعتلال العصبي، حيث تُستخدم لصقات الكابسيسين سريريًا لعلاج آلام الأعصاب المزمنة.

هنا تكمن التفاصيل الدقيقة. ينقسم الباحثون بين تفسيرات فيزيائية وسلوكية لفوائد الطعام الحار. فعندما يتناول الأشخاص طعامًا حارًا، يميلون إلى الأكل ببطء ومضغ الطعام بعناية أكبر، وهي سلوكيات تقلل بشكل طبيعي من حجم الحصص الغذائية وتحسن الهضم. فهل السبب هو الكابسيسين، أم الحذر الذي يفرضه؟ ربما كلاهما. كما أن هناك جانبًا مهمًا في طريقة تناول التوابل. فقد أظهر الأشخاص الذين تناولوا الفلفل الطازج المفروم، بدلًا من المجفف أو المطحون، معدلات أقل للإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان.
الطعام الحار ليس وصفة طبية تناسب الجميع. فالإفراط في تناوله قد يُهيّج الجهاز الهضمي، ويُفاقم أعراض الارتجاع الحمضي، وقد يُثير قلق مرضى القلب والأوعية الدموية. ويُدرك المصابون بمتلازمة القولون العصبي أو داء الأمعاء الالتهابي جيدًا كيف يُمكن للفلفل الحار أن يُحوّل أي وجبة إلى تجربة مُزعجة. لذا، يُمكن الاستنتاج أنك لستَ مُضطرًا لتناول كميات كبيرة من صلصة الفلفل الحار جدًا لتحقيق أي فائدة. ابدأ بكميات قليلة، رشّ القليل من الكايين في الحساء، جرّب الكاري التايلاندي، واستخدم الفلفل الطازج بدلًا من المساحيق. ستتكيف مُستقبلات TRPV1 لديك، وستزداد قدرتك على تحمّل الحرارة، وقد يشكرك جسمك على ذلك.
المصدر: timesnownews

