قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إن الحج يتميز بمعانٍ سامية، وحِكَمٍ شريفة عالية، تدعونا إلى التأمل في أركانه وأفعاله، والنظر في نتائجه وآثاره؛ فهي في جملتها تطهيرٌ للأبدان، وتزكيةٌ للنفوس.
وبين ان أفعال الحج كلها تربية عملية على الطاعة التامة لله رب العالمين، والإخلاص في العبودية له، والامتثال لأمره.
معانى الحج
ومن تلك المعاني العظيمة:
(1) التجرد
فالحج ينأى بالإنسان عن هموم الحياة والتعلق بها؛ لتصفو نفسه، وتسمو روحانيته، ويزداد قربًا من الله تعالى.
وأولى خطوات هذا التجرد هي الإحرام، الذي يعني التجرد من كل ما سوى الله، وأسوتنا في هذا التجرد وذلك التعلق ما فعله وقاله أبو الأنبياء إبراهيم، صلوات الله عليهم أجمعين:
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} [إبراهيم: 37].
والحاج في هذه الحالة من التجرد لله يتشبه بالملائكة في التجرد المحض للخير؛ قال الله تعالى فيهم:
{لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
وفي ذلك يقول الإمام الغزالي:
«التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين، والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين؛ فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان، والمتجرد للشر شيطان، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان» [إحياء علوم الدين].
وعندما يكون المرء أقرب إلى أحوال الملائكة، ينبذ الرفث، ويهجر الفسوق، ويتزود بخير زاد؛ كما قال تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197].
وقال رسول الله ﷺ: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه» [البخاري].
(2) المداومة بعض الوقت على أعمال الآخرة
ومظهر ذلك الذكر والتلبية؛ فعندما يتجرد القلب لله يعرف القصد والغاية، فلا يقطعه عنه قاطع، ولا يشغله عنه شاغل، فيلهج لسانه بذكر الله عز وجل، ودعائه، وتلبيته.
فلا نسمع إلا صدى التلبية، وأصوات التكبير، التي تبين أن هذه الأمة في حقيقتها إنما تكبر الله، وتستصغر كل شيء سواه، وتتحقق بذلك واقعًا.
فتبتهج الخلائق من حول الحجاج، وكأنها تشدو بأجمل الألحان وأصدقها:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».
ولذلك قال ﷺ: «ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله، من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا ومن هاهنا» [الترمذي].
وهذا الذكر يشحن القلوب، ويغمرها بفيوض الإيمان، ويقوي الصدور باليقين، ويجردها لرب العالمين.
(3) التقاء الأرض بالسماء
في ظل هذه الروح العامرة بالذكر، تلتقي الأرض بالسماء حين تقع عين المرء على الكعبة المشرفة، ويعلم أن الدعاء عندها من مواطن الرجاء ومظان الإجابة؛ لقول رسول الله ﷺ: «الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم» [سنن ابن ماجه].
قال المناوي:
«وعند رؤية الكعبة يحتمل أن المراد أول ما يقع بصر القادم إليها عليها، ويحتمل أن المراد ما يشمل دوام مشاهدتها؛ فما دام إنسان ينظر إليها فباب السماء مفتوح والدعاء مستجاب، والأول أقرب» [فيض القدير].
وفي الطواف بالبيت تشبُّهٌ بالملائكة المقربين، الحافين حول العرش، والطائفين حول البيت المعمور في السماء السابعة. وليس القصد طواف الجسم فحسب، بل طواف القلب بذكر الرب سبحانه.
وفي التعلق بأستار الكعبة، والالتصاق بالملتزم، طلبٌ للقرب، وحبٌّ وشوقٌ إلى البيت ورب البيت، وتبركٌ بالمماسة، وإلحاحٌ في طلب المغفرة.
وفي السعي بين الصفا والمروة مضاهاةٌ لتردد العبد بفناء الملك ذهابًا ومجيئًا، إظهارًا للخلوص في الخدمة، ورجاءً للملاحظة بعين الرحمة، والتجاءً إلى من بيده الضر والنفع.
(4) الشعور بالانتماء إلى أمة مترامية الأطراف، مترابطة الأواصر
وذلك يوم يقف الحجيج جميعًا بعرفة، في صعيد واحد، ووقت واحد؛ ساعتها يدرك الإنسان أن تكاليف الشرع سهلة المنال، وأن السالكين والوافدين يأتون من كل فج عميق، تحقيقًا لوعد الله تعالى لخليله إبراهيم عليه السلام: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].
وفي هذا تذكرة بيوم الحشر، واجتماع الأمم، ووقوفهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرجاء والوجل، والرد والقبول.
ويحمل ذكرُ ذلك القلبَ على الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل، ورجاء الحشر في زمرة الفائزين.
فالموقف مهيب شريف، وتتجلى فيه معاني الرحمة والافتقار إلى الله، وتظهر فيه قيمة الوحدة، والتآلف، والتراحم بين أفراد هذه الأمة، التي هي كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
(5) اقتران الشهادتين
وفي الحج أيضًا صورة من صور اقتران شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ إذ تهفو قلوب كثير من الحجيج، بعد أداء المناسك، إلى المدينة المنورة، شوقًا إلى زيارة الحبيب المصطفى ﷺ.
فهو الذي دلنا على الطريق المستقيم، وأرشدنا إلى ذلك الفضل العظيم.
وزيارة المدينة النبوية لها شأن كبير في الدلالة على ارتباط الشهادتين، والاعتراف بالجميل لسيد الخلق وخاتم المرسلين ﷺ، على ما أسداه إلينا من معروف، فكنا بفضل الله من المسلمين.
وصدق من قال:
فذو العرشِ محمودٌ، وهذا محمدُ.



