تشهد ظاهرة التحرش بالأطفال، تزايدا مقلقا في السنوات الأخيرة، لتتحول من جريمة خفية ترتكب في صمت إلى قضية تهدد أمن المجتمع واستقرار الأسرة، فالأطفال باعتبارهم الفئة الأضعف والأكثر براءة، يتعرضون لانتهاكات نفسية وجسدية تترك آثارا عميقة قد تلازمهم مدى الحياة، وتتنوع صور التحرش بين اللفظي والجسدي والإلكتروني، ما يزيد من خطورة الظاهرة وصعوبة اكتشافها أحيانا.
وعلى هذا الصدد، أثارت واقعة جديدة للتحرش بالأطفال في منطقة عباس العقاد بمدينة نصر حالة واسعة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول مستخدمون مقطع فيديو يوثق لحظات اشتباه سيدة في تصرفات رجل مسن كان برفقة طفلة صغيرة داخل الشارع، وتساءلت السيدة التي قامت بالتصوير من الرجل قائلة للطفلة: «ده أبوكي؟»، ليطلب منها الرجل بصوت منخفض أن تجيب بـ«آه»، وسط علامات ارتباك وخوف واضحة على الطفلة.
وبحسب ما تم تداوله، فإن الطفلة أجابت بالفعل خوفا وتحت ضغط الموقف، قبل أن يظهر شقيقها لاحقا ويطالب السيدة بنشر الفيديو حتى يتم كشف الواقعة والتحقيق فيها، مؤكدا ضرورة الحصول على حق الطفلة وعدم التستر على ما حدث.
وأطلق رواد مواقع التواصل مطالبات واسعة بسرعة تدخل الجهات المعنية وفتح تحقيق عاجل في الواقعة، خاصة بعد انتشار الفيديو بشكل كبير تحت عنوان: "قالها العبي بالتليفون.. لحظة ضبط مسن يتحرش بصغيرة في عباس العقاد"، وشدد المتابعون على أهمية حماية الأطفال من جرائم التحرش، وضرورة زيادة الوعي المجتمعي بكيفية اكتشاف هذه الجرائم والإبلاغ عنها فورا.

ومن جانبه، يقول الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن ظاهرة التحرش بالأطفال من أخطر القضايا المجتمعية التي تهدد الصحة النفسية والسلوكية للطفل، لما تتركه من آثار مؤلمة قد تستمر معه لفترات طويلة وربما تمتد إلى مراحل متقدمة من عمره.
وأضاف هندي- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن الطفل الذي يتعرض للتحرش غالبا ما يفقد شعوره بالأمان والثقة في الأشخاص المحيطين به، خاصة إذا كان المتحرش من دائرة المقربين أو من الأشخاص الذين اعتاد الطفل الشعور بالاطمئنان تجاههم، وهو ما يخلق بداخله حالة من الارتباك والخوف وعدم القدرة على استيعاب ما تعرض له.
وأشار هندي، إلى أن الأطفال بعد التعرض لمثل هذه الصدمات النفسية تظهر عليهم تغيرات واضحة في السلوك والتصرفات اليومية، حيث قد يتحول الطفل الهادئ إلى شخص انطوائي يميل للعزلة والابتعاد عن الآخرين، أو يصبح أكثر خوفا وتوترا بصورة ملحوظة.
وتابع: "بعض الأطفال يعانون من اضطرابات في النوم، وكوابيس متكررة، وفقدان التركيز، وتراجع المستوى الدراسي، فضلا عن العصبية الزائدة والانفعال المستمر دون أسباب واضحة، وهناك أطفالا يعجزون عن التعبير عما تعرضوا له بشكل مباشر، فيلجأون إلى البكاء المستمر أو إظهار الخوف من أماكن أو أشخاص معينين دون تفسير واضح من جانبهم.
وأوضح أن الآثار النفسية للتحرش لا تتوقف عند المرحلة العمرية الصغيرة فقط، بل قد تمتد مع الطفل إلى سنوات لاحقة إذا لم يتم التعامل مع الأزمة بشكل صحيح، مؤكدا أن بعض الضحايا قد يعانون لاحقا من اضطرابات نفسية حادة أو سلوكيات عدوانية نتيجة تراكم الصدمة بداخلهم.
ومن جانبه، قال دكتور فتحى قناوى، أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن جرائم التحرش لم تعد ترتبط بعمر محدد سواء للضحية أو للجاني، كما أنها لم تعد مقتصرة على طبقة اجتماعية بعينها أو بيئة معينة، بل أصبحت سلوكا منحرفا يمكن أن يظهر في مختلف الفئات.
وأضاف قناوي- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن هذا النوع من السلوكيات لا يتكون بشكل مفاجئ، وإنما يتطور تدريجيا منذ الصغر نتيجة غياب التربية السليمة والتوعية الأخلاقية، إلى جانب ضعف الرقابة المجتمعية والأسرية، مشيرا إلى أن المواجهة الحقيقية لا تعتمد فقط على العقوبات القانونية، بل تبدأ من بناء الوعي والقيم داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
وتابع: "تعدد هذه الحوادث بشكل متقارب يفرض ضرورة التوقف أمام الأسباب الحقيقية وراءها، ويطرح تساؤلات مهمة حول تراجع بعض القيم والسلوكيات التي يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال وأفراد المجتمع بشكل عام".
وعلى سبيل تكرار مثل هذه الحوادث، في واقعة أخرى بمحافظة الدقهلية، تداول رواد مواقع التواصل مقطع فيديو لسيدة تتهم مدرسا بالتحرش بابنها خلال إعطائه درسا خاصا داخل المنزل، مؤكدة أنها لن تتنازل عن حق طفلها وستتخذ الإجراءات القانونية ضده، خاصة بعد تكرار شكاوى مشابهة ضده بحسب ما ذكرته في الفيديو المتداول.
وجاء أيضا "متحرش المعادي" الذي حاول استدراج طفلة صغيرة داخل إحدى العقارات، وتم كشف الواقعة عبر كاميرات المراقبة، إضافة إلى وقائع مشابهة تم رصدها في مناطق مختلفة، ما فتح باب النقاش مجددا حول أهمية التوعية الأسرية، والرقابة، والدعم النفسي للأطفال، إلى جانب ضرورة الإبلاغ الفوري عن أي سلوك مريب لحماية الأطفال من التعرض لأي انتهاكات.
والجدير بالذكر، أن وفقا لتقرير رسمي صادر عن المجلس القومي للطفولة والأمومة في أبريل 2026، استقبل خط نجدة الطفل 16000 أكثر من 143 ألف مكالمة خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، بينها 6878 شكوى وبلاغا وطلب مساعدة، بمتوسط 75 بلاغا يوميا، فيما بلغ عدد الأطفال المستفيدين من خدمات الدعم نحو 10 آلاف طفل.
كما تشير منظمات حماية الطفل إلى أن الأرقام الرسمية قد لا تعكس الحجم الكامل للمشكلة، بسبب وجود حالات كثيرة لا يتم الإبلاغ عنها نتيجة الخوف أو الضغوط الأسرية والاجتماعية، كما تشهد مواقع التواصل الاجتماعي خلال 2026 تزايدا في النقاشات المتعلقة بالتحرش والعنف ضد الأطفال، وسط مطالبات بتشديد العقوبات وزيادة التوعية المجتمعية.



