في زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية وتتداخل فيه التكنولوجيا مع الفلسفة، والعلوم العصبية مع الاجتماع، يواصل المركز القومي للترجمة لعب دوره بوصفه أحد أهم الجسور الثقافية التي تنقل إلى القارئ العربي أحدث وأعمق ما ينتجه الفكر الإنساني عالميًّا. ومن خلال مجموعة من الإصدارات الفكرية والعلمية اللافتة، يفتح المركز أبوابًا واسعة أمام أسئلة شائكة تتعلق بالعقل والهوية والجريمة والعالم الرقمي، في محاولة لإعادة التفكير في الإنسان المعاصر وعلاقته بالمجتمع والمعرفة والتكنولوجيا.
من بين هذه الإصدارات يبرز كتاب "عالم رقمي.. الاتصال والإبداع والحقوق" تأليف جيليان يونجس، وترجمة محمد حسن، بوصفه أحد الأعمال المرجعية التي تستعيد راهنيتها مع كل تطور تكنولوجي جديد. فالكتاب، الذي جاء ثمرة حلقات بحثية عقدها مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية تحت عنوان "السياسة الرقمية"، يناقش التحولات التي أحدثها الاقتصاد الرقمي في مفاهيم الاتصال والإبداع والحقوق، عبر مقاربات تجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التحليل السياسي والثقافي والتقني.
ويتناول العمل قضايا معاصرة شديدة الحساسية، من بينها الهوية الرقمية، والسلطة الخامسة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والسرد القصصي الرقمي، والربيع العربي، والرقابة على الإنترنت، فضلًا عن أسئلة الشمول الرقمي والإبداع الاقتصادي والاجتماعي، ليعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحًا في عصر التكنولوجيا: هل نملك العالم الرقمي أم أنه بات يعيد تشكيلنا وامتلاك وعينا؟
وفي سياق مختلف لكنه لا يقل إثارة، يقدّم المركز كتاب "بيولوجيا السلوك الإجرامي.. تفاعل الجينات والمخ والثقافة" للعالمين أنتوني وولش وجوناثان دي بولن، بترجمة الدكتور أحمد موسى، وهو عمل يقترب من واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا في فهم الإنسان: لماذا يرتكب البشر الجرائم؟
يعتمد الكتاب على مقاربة بيولوجية عصبية اجتماعية، ترى أن السلوك الإجرامي ليس نتيجة عامل واحد منفصل، بل ثمرة تفاعل معقد بين الجينات، وبنية المخ، والظروف الثقافية والاجتماعية المحيطة بالفرد. كما يقدّم قراءة مبسطة وموسعة للعلاقة بين الدوائر العصبية وأنماط العنف والجريمة، متناولًا موضوعات مثل الذكاء، والجندر، والفصام، والسيكوباتية، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وتعاطي المواد الإدمانية، وغيرها من القضايا المرتبطة بالسلوك الإنساني.
أما على المستوى الفلسفي، فيعيد المركز تقديم كتاب "مرآة العقل.. أو خريطة المعرفة" للفيلسوف والمؤرخ البريطاني روبين جورج كولينغوود، بترجمة أحمد جمال أبو الليل، وهو عمل فكري يسعى إلى مراجعة التجربة الإنسانية عبر خمسة مجالات رئيسية هي: الفن، والدين، والعلم، والتاريخ، والفلسفة.
ومن خلال هذا المسار، يحاول كولينغوود تفكيك فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، مؤكدًا أن المعرفة ليست يقينًا نهائيًّا مغلقًا، بل عملية مستمرة من التساؤل وإعادة التفكير وتصحيح الأخطاء. ويكشف الكتاب عن رؤية فلسفية شمولية تتعامل مع العقل الإنساني بوصفه كيانًا متحركًا يعيد رسم خرائط المعرفة باستمرار، في مواجهة الجمود الفكري واليقين الدوغماطيقي.
وتعكس هذه الإصدارات الثلاثة ملامح المشروع الفكري الذي يتبناه المركز القومي للترجمة؛ مشروع لا يكتفي بنقل الكتب، بل يسعى إلى نقل الأسئلة الكبرى نفسها إلى القارئ العربي، عبر أعمال تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الفلسفة، والعلوم مع الاجتماع، والإنسان مع مصيره في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.



