قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

البقعة الساخنة.. لغز حير العلماء لسنوات| أين توجد؟

البقعة الساخنة
البقعة الساخنة

بعد سنوات من الحيرة والفرضيات المتضاربة، نجح فريق دولي من علماء الفلك في فك أحد أكثر الألغاز إثارة في عالم الكواكب الخارجية، بعدما كشف أن الكوكب العملاق "CoRoT-2 b" يتصرف بطريقة تخالف ما اعتقده العلماء لعقود.

الدراسة الجديدة، التي نُشرت في دورية "ذا أسترونوميكال جورنال"، توصلت إلى أن هذا الكوكب الغازي العملاق لا يخضع لظاهرة "القفل المدي" التي طالما اعتُبرت سمة أساسية للكواكب القريبة جدًا من نجومها، ما يفتح الباب أمام إعادة النظر في عدد من النظريات المتعلقة بتطور الكواكب ومناخاتها.

بقعة ساخنة في المكان الخطأ

بدأت القصة قبل سنوات عندما رصد العلماء ظاهرة غريبة في الغلاف الجوي للكوكب "CoRoT-2 b"، الذي يقع خارج المجموعة الشمسية ويصنف ضمن فئة "المشتري الحار".

فبدلًا من تمركز أعلى درجات الحرارة في المنطقة المتوقعة المواجهة للنجم المضيف، ظهرت "بقعة ساخنة" في موقع معاكس تقريبًا لما تنبأت به النماذج الفلكية.

هذا الاكتشاف أثار حيرة الباحثين منذ عام 2018، ودفعهم إلى طرح عدة تفسيرات محتملة، من بينها وجود سحب كثيفة تحجب الرؤية، أو تأثيرات مغناطيسية معقدة، أو أن الكوكب نفسه يدور بطريقة غير متوقعة.

قياسات جديدة تحسم الجدل

الاختراق العلمي الجديد جاء بقيادة الباحثة أورورا كيسيلي من مركز علوم وبيانات الفيزياء الفلكية والكواكب التابع لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

وباستخدام بيانات طيفية متقدمة جُمعت بواسطة التلسكوب الكبير جدًا التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي، تمكن الفريق من قياس سرعة دوران الكوكب بدقة غير مسبوقة.

وأظهرت النتائج أن اليوم الواحد على "CoRoT-2 b" يستغرق نحو ثلاثة أيام أرضية، في حين أن الكوكب يكمل دورة كاملة حول نجمه خلال يوم ونصف فقط.

بمعنى آخر، فإن الكوكب يدور حول نجمه مرتين تقريبًا قبل أن يكمل دورة واحدة حول نفسه، وهي نتيجة تخالف بصورة مباشرة ما كان يُعتقد سابقًا حول هذه الفئة من الكواكب.

ما هو القفل المدي؟

لفهم أهمية الاكتشاف، يجب أولًا معرفة مفهوم “القفل المدي” فعندما يكون جرم سماوي مقيدًا مديًا، فإنه يوجه الوجه نفسه دائمًا نحو الجسم الذي يدور حوله. وأشهر مثال على ذلك هو القمر، الذي نرى منه الجانب ذاته باستمرار من الأرض.

وكان علماء الفلك يفترضون أن جميع كواكب "المشتري الحار" تخضع لهذا النمط بسبب قربها الشديد من نجومها، حيث تؤدي قوى الجاذبية إلى إبطاء دورانها تدريجيًا حتى تصبح مقيدة مديًا.

لكن "CoRoT-2 b" يبدو أنه يرفض الالتزام بهذه القاعدة.

ما الذي يجعل هذا الكوكب فريدًا؟

ينتمي "CoRoT-2 b" إلى فئة الكواكب المعروفة باسم "المشتري الحار"، وهي عمالقة غازية تشبه كوكب المشتري لكنها تدور بالقرب الشديد من نجومها.

وتتميز هذه الكواكب بدرجات حرارة مرتفعة للغاية، إذ تكمل بعضُها دورة كاملة حول نجومها خلال أيام قليلة فقط، ما يجعلها من أكثر العوالم تطرفًا التي اكتشفها العلماء حتى الآن.

وبسبب أحجامها الضخمة وقربها من النجوم، تعد هذه الكواكب مختبرات طبيعية مثالية لدراسة المناخات الفضائية والظواهر الجوية في البيئات القاسية.

لماذا يهم هذا الاكتشاف؟

لا تكمن أهمية الاكتشاف في حل لغز كوكب واحد فقط، بل في تأثيره على فهم العلماء لعشرات وربما مئات الكواكب المشابهة.

فإذا كان "CoRoT-2 b" لا يخضع للقفل المدي كما كان متوقعًا، فقد يعني ذلك أن نماذج المناخ والدوران المستخدمة حاليًا تحتاج إلى مراجعة وتحديث.

كما أن فهم طريقة دوران الكواكب يلعب دورًا أساسيًا في دراسة توزيع الحرارة والرياح والظروف المناخية، وهي عوامل ترتبط مباشرة بإمكانية وجود بيئات قابلة للحياة على بعض الكواكب الأخرى.

ماذا يعني ذلك للكواكب الصالحة للحياة؟

يرى العلماء أن نتائج هذه الدراسة قد تمتد آثارها إلى البحث عن الكواكب الشبيهة بالأرض.

فالكثير من الكواكب التي تدور حول النجوم القزمة الحمراء تقع داخل مناطق يُتوقع أن تكون مقيدة مديًا، وبالتالي فإن فهم تأثير الدوران على المناخ يساعد الباحثين في تقييم فرص وجود المياه السائلة والظروف الملائمة للحياة.

وبحسب الباحثين، فإن أي تعديل في فهم آليات الدوران قد يؤدي إلى تغييرات جوهرية في تقدير قابلية الكواكب للسكن مستقبلا.

عصر جديد من الاكتشافات الفلكية

يؤكد العلماء أن ما تم اكتشافه في "CoRoT-2 b" قد يكون مجرد بداية لسلسلة من المفاجآت العلمية القادمة.

ومع اقتراب تشغيل جيل جديد من المراصد العملاقة، مثل التلسكوب الأوروبي فائق الضخامة ومشروعات رصد الكواكب القابلة للحياة، ستصبح قدرة العلماء على دراسة العوالم البعيدة أكثر دقة من أي وقت مضى.

وفي كل مرة يُكتشف فيها كوكب جديد أو تُحل فيها معضلة فلكية قديمة، يتضح أن الكون لا يزال يخفي أسرارًا أكبر بكثير مما نتخيل.

عندما تكسر الكواكب القواعد

يُظهر اكتشاف "CoRoT-2 b" حقيقة أساسية في علم الفلك؛ وهي أن الكون لا يلتزم دائمًا بالقواعد التي يضعها البشر لفهمه.

فبعد سنوات من الاعتقاد بأن جميع كواكب "المشتري الحار" تتصرف بالطريقة نفسها، جاء هذا العالم البعيد ليؤكد أن لكل كوكب قصته الخاصة، وأن رحلة اكتشاف أسرار الكون لا تزال في بدايتها.