في ظاهرة سلوكية غامضة أثارت فضول العلماء، كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعتي طوكيو ونافارا الإسبانية أن البشر يميلون بشكل طبيعي إلى الحركة والدوران عكس اتجاه عقارب الساعة أثناء التنقل الجماعي، وهي نزعة تكررت بصورة لافتة في عشرات التجارب العلمية، رغم عجز الباحثين حتى الآن عن تقديم تفسير حاسم لها.
من ملاحظة عابرة إلى اكتشاف علمي
بدأت القصة عندما كان فريق البحث يحلل بيانات عدد كبير من التجارب الميدانية المصممة لدراسة حركة الحشود البشرية.
وبينما كان الباحثون يراجعون النتائج، لاحظوا أمرا غير متوقع المشاركون كانوا يفضلون، بشكل متكرر، الدوران والتحرك عكس اتجاه عقارب الساعة.
هذا الاكتشاف دفع الفريق إلى التعمق أكثر، خاصة بعدما تبين أن الظاهرة لم تكن حالة استثنائية، بل نمطا متكرراً ظهر في 32 تجربة من أصل 33 تجربة أُجريت في بيئات وظروف مختلفة.
تجارب متنوعة والنتيجة واحدة
وللتأكد من صحة الملاحظة، اعتمد العلماء على سلسلة واسعة من الدراسات شملت فئات عمرية متعددة وبيئات مختلفة.
فقد تمت مراقبة عشرات المشاركين أثناء تنفيذ مهام داخل ساحات مفتوحة، كما جرى تتبع حركة مراهقين في مدارس إسبانية باستخدام طائرات مسيّرة، ودراسة طلاب جامعيين داخل قاعات دراسية ضيقة، إضافة إلى مراقبة أطفال في رياض الأطفال ومئات المشاة داخل حرم جامعي.
ورغم اختلاف الأماكن والأعمار وطبيعة الأنشطة، ظلت النتيجة ثابتة ميل واضح للحركة في الاتجاه المعاكس لعقارب الساعة.
الأطفال أكثر ميلاً للاتجاه الغامض
وخلال تحليل النتائج، استبعد الباحثون تأثير العديد من العوامل مثل الجنس، والخلفية الثقافية، وحجم المجموعات، وحتى ما إذا كان الشخص يستخدم يده اليمنى أو اليسرى بشكل أساسي.
لكن العامل الوحيد الذي أظهر اختلافاً ملحوظاً كان العمر، إذ تبين أن الأطفال يمتلكون ميلاً أقوى نحو هذا الاتجاه مقارنة بالبالغين، ما يشير إلى احتمال وجود جذور فطرية لهذه النزعة تتغير تدريجياً مع التقدم في العمر.
تفسيرات مطروحة وأسرار لم تُكشف بعد
ورغم وضوح الظاهرة من الناحية الإحصائية، فإن تفسيرها لا يزال لغزاً مفتوحاً ويعتقد الباحثون أن السبب قد يرتبط بطريقة عمل الجسم البشري أو بوجود نوع من عدم التماثل في آليات الحركة والتوازن.
في المقابل، استبعد الفريق فرضيات شائعة مثل تأثير الرؤية أو المجال المغناطيسي للأرض أو حتى تأثير كوريوليس، بعدما أظهرت التجارب أن الميل يستمر حتى عند تغيير بعض الظروف البصرية للمشاركين.
من الملاعب إلى الحضارات القديمة
المثير للاهتمام أن هذا السلوك يشبه أنماطاً معروفة في الرياضة والثقافة الإنسانية، إذ تُقام معظم سباقات الجري حول العالم في اتجاه عكس عقارب الساعة، وهو تقليد تعود جذوره إلى العصور الإغريقية والرومانية القديمة.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الربط بين هذه العادات التاريخية والانحياز السلوكي المكتشف حديثاً لا يزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة والدراسات، ما يجعل هذا اللغز واحداً من أكثر الظواهر الإنسانية إثارة للفضول في الوقت الراهن.





