تقترب مصر من تحقيق أحد أكبر أحلامها الاستراتيجية في قطاع الطاقة، مع دخول مشروع محطة الضبعة النووية مرحلة متقدمة من التنفيذ، تمهد لإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية لأول مرة في تاريخ البلاد.
وبعد عقود طويلة من الدراسات والتخطيط، أصبح المشروع الذي طال انتظاره واقعًا ملموسًا على الأرض، مع استمرار أعمال الإنشاء وتركيب المعدات النووية الرئيسية داخل الوحدات الأربع للمحطة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية تنويع مصادر الطاقة عالميًا، وسط سعي الدول إلى تحقيق أمن الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية والاعتماد على الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق، تمثل محطة الضبعة أحد أهم المشروعات القومية التي تراهن عليها الدولة المصرية لدعم خطط التنمية الاقتصادية والصناعية خلال العقود المقبلة.
_825_013556.jpg)
من حلم مؤجل إلى مشروع عملاق
تعود فكرة إنشاء محطة نووية لإنتاج الكهرباء في مصر إلى خمسينيات القرن الماضي، إلا أن المشروع مر بمراحل عديدة من التوقف والتأجيل بسبب المتغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد والمنطقة.
ومع توقيع اتفاق التعاون بين مصر وروسيا، دخل المشروع مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث تتولى شركة "روساتوم" الروسية تنفيذ المحطة وفق أحدث معايير الأمان النووي العالمية، مع توفير الوقود النووي والدعم الفني وبرامج التدريب والتأهيل للكوادر المصرية.
وخلال السنوات الماضية، تحولت منطقة الضبعة بمحافظة مطروح إلى واحدة من أكبر مواقع الإنشاءات الهندسية في الشرق الأوسط، مع استمرار العمل بوتيرة متسارعة في الوحدات الأربع للمحطة.
4 مفاعلات نووية بقدرة 4800 ميجاوات
تتكون محطة الضبعة النووية من أربع وحدات إنتاج كهرباء، تضم كل منها مفاعلًا من طراز VVER-1200 الروسي المتطور، بقدرة إنتاجية تبلغ 1200 ميجاوات لكل وحدة.
وعند اكتمال تشغيل الوحدات الأربع، ستصل القدرة الإجمالية للمحطة إلى 4800 ميجاوات، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر مشروعات إنتاج الكهرباء في مصر وإفريقيا.
وتكشف هذه الأرقام حجم الأهمية الاستراتيجية للمشروع، إذ تتجاوز القدرة الإنتاجية للمحطة أكثر من ضعف الطاقة المولدة من السد العالي تقريبًا، الذي تبلغ قدرته نحو 2100 ميجاوات، ما يعزز قدرة الشبكة القومية على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء خلال السنوات المقبلة.
مراحل حاسمة قبل التشغيل
شهد المشروع خلال الفترة الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في أعمال تركيب المعدات النووية الرئيسية داخل الوحدة الأولى، بالتوازي مع استمرار أعمال الإنشاء في باقي الوحدات.
ومن المنتظر أن ينتقل المشروع خلال المرحلة المقبلة إلى سلسلة من الاختبارات الفنية المعقدة، تبدأ بالاختبارات الباردة ثم الاختبارات الساخنة، للتأكد من سلامة جميع الأنظمة والمعدات قبل الحصول على الموافقات الرقابية النهائية.
وبعد استكمال هذه الإجراءات، سيتم تحميل الوقود النووي داخل المفاعل الأول تمهيدًا لبدء التشغيل التجريبي وإنتاج الكهرباء للمرة الأولى.
وتشير التقديرات والتصريحات الصادرة عن الجانب الروسي إلى إمكانية تدشين أولى وحدات المحطة خلال عامي 2027 أو 2028، ما يعني أن العد التنازلي لدخول مصر عصر الكهرباء النووية قد بدأ بالفعل.
أمن الطاقة على مدار الساعة
تكمن أهمية الطاقة النووية في قدرتها على إنتاج الكهرباء بصورة مستقرة ومتواصلة على مدار 24 ساعة يوميًا، بخلاف بعض مصادر الطاقة المتجددة التي تتأثر بالعوامل المناخية.
ومن المتوقع أن تسهم محطة الضبعة في تخفيف الضغط على مصادر الوقود التقليدية، وعلى رأسها الغاز الطبيعي، بما يتيح توجيه كميات أكبر من الغاز إلى الصناعات المختلفة أو التصدير، الأمر الذي يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز موارد الدولة من النقد الأجنبي.
كما ستساعد المحطة في تنويع مزيج الطاقة المصري، وهو هدف استراتيجي تسعى الدولة إلى تحقيقه من خلال الجمع بين الطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومشروعات التخزين الحديثة.
مكاسب اقتصادية وصناعية واسعة
لا تقتصر فوائد مشروع الضبعة على إنتاج الكهرباء فقط، بل تمتد إلى دعم الصناعة المحلية ونقل التكنولوجيا المتقدمة وتدريب الكوادر المصرية على أحدث التقنيات النووية.
وشهد المشروع مشاركة متزايدة للشركات المصرية في أعمال الإنشاء والتوريدات والخدمات الهندسية، ما ساهم في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب رفع كفاءة العمالة الوطنية في مجالات الهندسة والطاقة والتكنولوجيا النووية.
ويرى خبراء الطاقة أن المشروع سيشكل نقطة تحول مهمة في مسار التنمية الصناعية، من خلال توفير مصدر كهرباء مستقر قادر على تلبية احتياجات المشروعات الصناعية الكبرى والتوسعات العمرانية الجديدة.
2026 عام الحسم في مسيرة الضبعة
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور شريف حلمي، رئيس مجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء، أن عام 2026 يمثل عامًا محوريًا في تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية، مشيرًا إلى أن النجاح الذي تحقق حتى الآن جاء نتيجة العمل الجماعي والتعاون الوثيق بين الكوادر المصرية والجانب الروسي.
وأوضح أن المشروع يواصل تحقيق معدلات إنجاز مرتفعة وفق الجداول الزمنية المحددة، لافتًا إلى أن الشهر المقبل سيشهد إنجازًا جديدًا ومهمًا في مسار التنفيذ، بما يعكس التقدم الكبير الذي تشهده أعمال المحطة.
خطوة تاريخية نحو المستقبل
مع اقتراب موعد تشغيل أول مفاعل نووي مصري، تدخل الدولة مرحلة جديدة في تاريخ قطاع الطاقة، عنوانها الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز الأمن الطاقي على المدى الطويل.
ويمثل مشروع الضبعة النووية أكثر من مجرد محطة لتوليد الكهرباء؛ فهو مشروع استراتيجي يعكس قدرة الدولة المصرية على تنفيذ المشروعات العملاقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية والصناعية المستدامة، تضع مصر بين الدول المالكة للتكنولوجيا النووية السلمية والمستخدمة لها في خدمة التنمية وتحقيق رؤية المستقبل.
قال الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن مشروع محطة الضبعة النووية يعد أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي تنفذها الدولة المصرية في قطاع الطاقة، لما يمثله من نقلة نوعية نحو تنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة على المدى الطويل.
وأضاف أبو العلا في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الطاقة النووية توفر مصدرًا مستقرًا للكهرباء يعمل على مدار الساعة دون التأثر بالظروف الجوية، وهو ما يمنح الشبكة القومية قدرًا أكبر من الاستقرار والكفاءة، خاصة مع تزايد الطلب على الطاقة نتيجة التوسع العمراني والصناعي الذي تشهده مصر.
ولفت إلى أن محطة الضبعة ستسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وعلى رأسه الغاز الطبيعي، بما يتيح توجيه كميات أكبر منه إلى القطاعات الصناعية أو التصدير، فضلًا عن دورها في خفض الانبعاثات الكربونية ودعم توجه الدولة نحو الطاقة النظيفة.
وأكد أستاذ الطاقة أن اقتراب تشغيل أول وحدة بالمحطة يمثل إنجازًا تاريخيًا لمصر، مشيرًا إلى أن المشروع لا يقتصر على إنتاج الكهرباء فقط، بل يشمل نقل التكنولوجيا النووية السلمية وتأهيل الكوادر المصرية، بما يعزز مكانة مصر بين الدول المالكة لتكنولوجيا الطاقة النووية للأغراض السلمية.




