قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إن الله سبحانه وتعالى يستر المؤمن في الدنيا، ولذلك يأمرنا رسول الله ﷺ أن نستر المؤمنين، فيقول: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»،
ويقول سيدنا النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ».
ويقول ﷺ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ما يجب على المسلم تجاه أخيه ان ذل
وتابع: فإذا زلَّ أحدنا زلةً، فعلى أخيه أن ينصحه ويستر عليه، وأن يحفظ كرامته، وألَّا يجعل من خطئه سبيلًا إلى التشهير به وفضيحته.
فاستر على أخيك، ولو بطرف ثوبك.
إذن، فدين الإسلام مبنيٌّ على الستر، والعفو، وعدم إشاعة الفاحشة بين الناس.
عدم التفاخر بالمعصية
ودين الإسلام مبنيٌّ كذلك على عدم التفاخر بالمعصية، بل يجب على الإنسان أن يستر معصيته، وأن يتوب منها إلى الله؛ حتى تُنسى، وحتى يستمر من وقع فيها، وابتُلي بهذا البلاء، في طريق التوبة من غير فضيحة ولا تشهير.
ولذلك أمرنا رسول الله ﷺ بالنصيحة، ونهانا عن الفضيحة؛ فإذا نصحت أخاك في السر برفق، وعاملته كما تحب أن تُعامَل، فتلك نصيحة، أما إذا جهرت بخطئه وشهَّرت به، فتلك فضيحة.
فأُمرنا بالنصيحة دون الفضيحة.
وسار النبي ﷺ على هذا النهج؛ يعلِّم أصحابه، ويعلِّمنا، ويعلِّم العالمين إلى يوم الدين، أن الأصل هو الستر.
والله سبحانه وتعالى يستر المؤمن مراتٍ ومرات.
ويُروى أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أُتي برجلٍ استحق الحد؛ لأنه ارتكب جريمةً من الجرائم، وجاءت أمه تشفع له، فقال لها سيدنا علي رضي الله عنه: إن الله سبحانه وتعالى لا يفضح العبد في المرة الأولى، وإن ابنك هذا قد اعتاد الإجرام، وارتكب هذه الجريمة مرات.
فقالت: وكيف تعلم ذلك؟
قال: لأن الله سبحانه وتعالى سِتِّيرٌ يحب الستر.
وبعد أن أقام عليه العقوبة سأله: أيُّ مرةٍ هذه؟
فقال الرجل: هذه هي المرة العشرون.
أي إن الله سبحانه وتعالى ستره مرةً، وثانيةً، وثالثةً، ورابعةً، وخامسةً، بل ستره عشرين مرةً، وهو يرتكب ذلك الجرم، ولا يستحيي من الله، ويضر الناس، ويوقع بهم الأذى بأنواعه، في أعراضهم أو أموالهم.
وقد يتهم الناس بعضهم بعضًا، ظانين أن غيره ارتكب المعصية، في حين أنه مرتكبها.
وكان ينبغي عليه أن يتوب إلى الله، وأن ينتفع بستره، ولكنه لم يفعل.
فالله سبحانه وتعالى يستر، فعليك أيها المؤمن أن تستر؛ استر نفسك أولًا، ولذلك نهانا رسول الله ﷺ عن المجاهرة بالمعصية والتفاخر بها، واستر أخاك ثانيًا، ولذلك أُمرنا أن نستر على المؤمنين.
ولكن الستر لا يعني كتمان الاعتداء، ولا تضييع حقوق المظلومين، ولا تمكين المعتدي من الاستمرار في إيذاء الناس؛ بل الستر المقصود هو الستر الذي يفتح باب التوبة، ويحفظ الكرامة، ويمنع التشهير، من غير أن يضيع حقًّا أو يقرَّ ظلمًا.

