تحولت الحرب في قطاع غزة إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، لم تقتصر آثارها على الدمار الواسع وسقوط الضحايا، بل امتدت لتترك آلاف الفلسطينيين أمام واقع جديد فرضته إصابات غيرت حياتهم إلى الأبد.
وبينما يعيش ذوو الهمم الذين كانوا يعانون إعاقات قبل الحرب ظروفًا أكثر قسوة، انضم إليهم عشرات الآلاف ممن فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة القصف، في وقت تنهار فيه المنظومة الصحية وتتراجع خدمات التأهيل، لتصبح الحياة اليومية معركة جديدة من أجل البقاء.
آلاف الإصابات تغير خريطة الاحتياجات الإنسانية
تؤكد الأمم المتحدة أن الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة يواجهون مخاطر مضاعفة بسبب استمرار العمليات العسكرية، والنزوح المتكرر، والانهيار شبه الكامل للخدمات الأساسية. فالكثير منهم لم يعد يمتلك الوسائل التي تساعده على الحركة أو التواصل، بعدما فقد الكراسي المتحركة، والسماعات الطبية، والأجهزة التعويضية تحت أنقاض المنازل أو أثناء عمليات النزوح.
وتشير التقديرات الأممية إلى أن عشرات الآلاف تعرضوا كذلك لأضرار سمعية متفاوتة نتيجة أصوات الانفجارات المتكررة، ما يزيد من صعوبة تلقي التحذيرات أو أوامر الإخلاء في مناطق تتغير فيها بؤر الخطر بصورة متسارعة.
وتزداد معاناة أصحاب الإعاقات البصرية والسمعية والحركية مع غياب البنية التحتية المناسبة، إذ يجد كثيرون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى أماكن أكثر أمانًا، أو الحصول على الخدمات الطبية والغذائية، وسط طرق مدمرة ومبانٍ آيلة للسقوط وملاجئ تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
43 ألف إصابة غيّرت الحياة و50 ألف حالة تحتاج إلى تأهيل
تكشف تقديرات منظمة الصحة العالمية عن حجم الأزمة المتفاقمة، إذ تعرض نحو 43 ألف فلسطيني في قطاع غزة لإصابات وصفت بأنها "مغيرة للحياة" منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بينما تحتاج أكثر من 50 ألف إصابة مرتبطة بالحرب إلى برامج تأهيل وعلاج طويل الأمد.
وتتنوع تلك الإصابات بين حالات بتر الأطراف، وإصابات العمود الفقري، والحروق البالغة، وإصابات الدماغ، والكسور المعقدة، وهي إصابات تتطلب رعاية طبية وتأهيلًا متخصصًا لسنوات، وهو ما أصبح شبه مستحيل في ظل توقف أو تعطل معظم مراكز التأهيل داخل القطاع.
كما تؤكد المنظمة أن مرافق إعادة التأهيل لم تعد تعمل بكامل طاقتها، بينما لا تدخل المعدات والأجهزة الطبية والأطراف الصناعية بالقدر الكافي لتلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يترك آلاف المصابين دون علاج مناسب أو فرص حقيقية لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية.
أرقام مرشحة للارتفاع مع استمرار الحرب
قبل اندلاع الحرب، قدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة بنحو 58 ألف شخص، إلا أن استمرار العمليات العسكرية وما خلفته من إصابات جسيمة يجعل هذا الرقم مرشحًا للزيادة بصورة كبيرة.
ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع أعداد المصابين، بل تمتد إلى تعطل سلاسل الإمداد ونقص الكراسي المتحركة والسماعات الطبية والنظارات والعكازات والأطراف الصناعية، وهي وسائل أصبحت نادرة في وقت تتزايد فيه الحاجة إليها يومًا بعد آخر.
وتحذر الأمم المتحدة من أن غالبية سكان القطاع ما زالوا يعيشون أوضاعًا شديدة الخطورة بسبب النزوح المستمر، وانعدام الأمن، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، فيما تفتقر مراكز الإيواء المؤقتة إلى المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي ووسائل الحماية، وهي ظروف تزيد من هشاشة أوضاع ذوي الهمم وتضاعف معاناتهم.
حياة بين الأنقاض.. لا طرق ممهدة ولا أماكن آمنة
ورصد تقرير صادر عن مركز إعلام الأمم المتحدة نماذج مؤلمة لمعاناة ذوي الاحتياجات الخاصة داخل القطاع، من بينها حالة أحد الأشخاص الذي يجمع بين الإعاقة البصرية والحركية، ويواجه صعوبة بالغة في مغادرة منزله المدمر أو الاحتماء سريعًا عند وقوع الغارات.
ويعيش هذا المواطن، مثل آلاف غيره، وسط شوارع مليئة بالركام والحفر ومخلفات المباني المدمرة، بينما تفتقر المنازل المتبقية إلى الحد الأدنى من التجهيزات التي تسمح للأشخاص ذوي الإعاقة بالحركة أو الوصول إلى احتياجاتهم اليومية.
وتحولت أبسط المهام، مثل الخروج للحصول على الغذاء أو الدواء أو المياه، إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب وسائل النقل المناسبة وانهيار البنية التحتية التي كانت تساعدهم قبل الحرب.
سعيد بكرون.. رحلة من العمل الإعلامي إلى البحث عن ملاذ
ويجسد الفلسطيني سعيد بكرون جانبًا من هذه المأساة الإنسانية، إذ كان يعمل قبل الحرب مذيعًا في إحدى الإذاعات المحلية، وكانت حركته باستخدام الكرسي المتحرك ممكنة رغم إعاقته، إلا أن الدمار الذي أصاب غزة قلب حياته بالكامل.
ويقول سعيد إنه لم يعد قادرًا على مغادرة منزله المحطم، كما أصبح الاحتماء من الغارات أمرًا شبه مستحيل، إذ لم يتبق من المنزل سوى أجزاء من الجدران توفر قدرًا محدودًا من الحماية.
ويضيف أن أكبر همومه اليوم هو العثور على مكان آمن يحميه من القصف، موضحًا أن الشخص السليم يستطيع الهروب سريعًا عند سماع الانفجارات، بينما تمنعه حالته الصحية من الحركة بالسرعة المطلوبة، ليبقى أسيرًا للإعاقة والدمار في آن واحد.
تحذيرات أممية من كارثة طويلة الأمد
وترى المنظمات الدولية أن استمرار الحرب دون توفير ممرات آمنة وخدمات صحية وتأهيلية كافية سيؤدي إلى تفاقم أوضاع عشرات الآلاف من ذوي الهمم والمصابين بإعاقات دائمة، لتتحول الأزمة من كارثة إنسانية طارئة إلى تحدٍ طويل الأمد يمتد لسنوات.
وتؤكد الأمم المتحدة أن إنقاذ هذه الفئة يتطلب ضمان دخول الأجهزة التعويضية والمستلزمات الطبية، وإعادة تشغيل مراكز التأهيل، وتوفير بيئة إنسانية تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارهم من أكثر الفئات هشاشة في ظل النزاعات المسلحة.
ومع استمرار الحرب، يبقى آلاف الفلسطينيين من ذوي الهمم عالقين بين أنقاض المنازل ومخاطر القصف ونقص العلاج، في انتظار استجابة إنسانية عاجلة تمنحهم فرصة للحياة بكرامة، بعد أن فقد كثير منهم ليس فقط منازلهم وأطرافهم، بل أيضًا أبسط مقومات الأمان والاستقرار.
ومن جانبه، قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن ما يواجهه الأشخاص ذوو الهمم في قطاع غزة يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، موضحًا أن تدمير البنية التحتية الصحية ومراكز التأهيل حوّل الإعاقة من تحدٍ فردي إلى أزمة مجتمعية واسعة تمس آلاف الأسر الفلسطينية.
وأضاف الرقب، في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الارتفاع الكبير في أعداد المصابين بإعاقات دائمة نتيجة القصف يفرض مسؤولية مضاعفة على المجتمع الدولي، ليس فقط لوقف العمليات العسكرية، وإنما أيضًا لضمان إدخال الأجهزة التعويضية والمستلزمات الطبية وإعادة تشغيل مراكز التأهيل، لأن حرمان هؤلاء من العلاج والرعاية يمثل انتهاكًا واضحًا لحقوقهم الإنسانية التي تكفلها المواثيق الدولية.
وأكد أن استمرار الأوضاع الحالية ينذر بتداعيات طويلة الأمد على القطاع، إذ ستواجه غزة جيلًا كاملًا من المصابين الذين يحتاجون إلى برامج تأهيل ودعم نفسي واجتماعي واقتصادي لسنوات، وهو ما يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا لتخفيف معاناتهم وضمان حصولهم على الرعاية والخدمات الأساسية.






