قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

500 مليار دولار في قبضة الفساد.. العراق يطيح بكبار المسئولين ويستعيد ملايين الدولارات والذهب

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في بلدٍ يملك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ويعتمد على النفط في تأمين نحو 90% من إيراداته المالية، تبدو المفارقة العراقية صارخة؛ فالثروة الهائلة لم تنعكس بالقدر الكافي على حياة المواطنين، بينما تحولت مليارات الدولارات عبر سنوات طويلة إلى ملف مفتوح عنوانه الفساد. ومع كل أزمة اقتصادية أو اجتماعية، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة.. أين ذهبت أموال النفط؟

خلال الأسابيع الأخيرة، أعادت الحكومة العراقية هذا السؤال بقوة بعدما أطلقت حملة واسعة لمكافحة الفساد تحت اسم «صولة الفجر»، وهي حملة كشفت، بحسب ما أعلنته السلطات القضائية، عن كميات ضخمة من الأموال والذهب والعقارات المملوكة لمسؤولين ونواب ورجال أعمال متهمين بالاستيلاء على المال العام. ولم تعد القضية مجرد اتهامات سياسية أو تقارير رقابية، بل تحولت إلى مداهمات واعتقالات وضبط أموال مخبأة داخل الجدران وتحت الأرض.

«صولة الفجر».. أكبر حملة منذ سنوات

تقول الحكومة العراقية إن الحملة الحالية ليست إجراءً عابرًا، بل بداية لمسار طويل يستهدف تفكيك شبكات الفساد واستعادة الأموال العامة. وبناءً على قرارات من مجلس القضاء الأعلى، جرى توقيف عشرات المتهمين، بينهم مسؤولون كبار ونواب حاليون وسابقون.

ووفقًا لتصريحات رسمية، فإن التحقيقات التي بدأت منذ أكتوبر الماضي توسعت تدريجيًا حتى وصلت إلى المرحلة الحالية، التي شهدت تنفيذ مداهمات داخل المنطقة الخضراء وخارجها، مع تأكيدات من القضاء بأنه «لا خطوط حمراء» في ملاحقة المتورطين.
 

ملايين الدولارات تحت الأرض

أكثر ما أثار صدمة الرأي العام العراقي كان طريقة إخفاء الأموال. فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى ضبط مبالغ مالية ضخمة في قضية مرتبطة بنائب وزير النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي.

وبحسب بيان القضاء، عُثر على أموال نقدية مخبأة داخل منازل وفي حفر بعمق يصل إلى أربعة أمتار تحت الأرض، لترتفع قيمة المضبوطات في القضية إلى أكثر من 85 مليون دولار، إضافة إلى عشرات المليارات من الدنانير العراقية.

ولم تتوقف المضبوطات عند الأموال النقدية، بل شملت 70 عقارًا و21 سيارة حديثة ومصوغات ذهبية تزن نحو 3 كيلوغرامات، كما قادت اعترافات المتهم إلى توقيف مسؤولين آخرين، بينهم مدير دائرة الصحة في محافظة صلاح الدين.
 

فساد داخل وزارة النفط

التحقيقات امتدت أيضًا إلى وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع علي معارج صويدج البهادلي، حيث أعلنت السلطات ضبط نحو 11 مليون دولار وأربعة مليارات دينار عراقي خلال التحقيقات الأولية معه.

ويكتسب هذا الملف حساسية استثنائية لأن وزارة النفط تمثل الشريان المالي الأهم للدولة العراقية، إذ تأتي غالبية إيرادات الموازنة من صادرات النفط التي كانت تحقق قبل التوترات الإقليمية ما بين 6 و7 مليارات دولار شهريًا.

«مغارة علي بابا».. القضية التي هزت العراق

وفي واحدة من أكثر الوقائع إثارة، تحدثت تقارير إعلامية عراقية عن العثور على ما وُصف بـ «مغارة علي بابا» داخل منزل النائبة البرلمانية هند العباسي.

وذكرت التقارير أن قوات الأمن ضبطت داخل المنزل نحو 57 مليون دولار نقدًا و27 كيلوغرامًا من الذهب الخالص، إلى جانب مقتنيات ثمينة أخرى، في عملية جاءت ضمن حملة واسعة أسفرت عن توقيف 47 مشتبهًا بهم بينهم نواب وموظفون حكوميون.

500 مليار دولار.. فاتورة الفساد منذ 2003

رغم ضخامة المبالغ المضبوطة مؤخرًا، فإن خبراء الاقتصاد يرون أنها تمثل جزءًا محدودًا من المشكلة. فبحسب تقديرات غير رسمية، بلغت فاتورة الفساد في العراق نحو 500 مليار دولار منذ عام 2003، فيما يقدّر مختصون أن الفساد يلتهم ما يقارب ثلث الإيرادات النفطية.

هذه الأرقام تفسر لماذا لم تنعكس الثروة النفطية على مستوى الخدمات وفرص العمل والإسكان، رغم الموارد المالية الضخمة التي دخلت خزينة الدولة خلال العقدين الماضيين.

بلد غني بالنفط.. وفقير بالخدمات

الاقتصاد العراقي يواجه تحديات ثقيلة؛ فمعدل الفقر يبلغ نحو 10.8%، والبطالة نحو 13%، بينما يصل عجز السكن إلى 2.4 مليون وحدة سكنية.

وفي نظر كثير من العراقيين، لا تكمن المشكلة في نقص الموارد، بل في طريقة إدارتها، إذ يرون أن الفساد حرم البلاد من مدارس ومستشفيات وبنى تحتية وفرص عمل كان يمكن تمويلها من عائدات النفط.
 

استعادة الأموال المنهوبة في الخارج

بالتوازي مع المداهمات داخل العراق، تتحرك هيئة النزاهة لاسترداد الأموال المهربة إلى الخارج. وأعلنت الهيئة أنها تعمل على إعداد قانون خاص باسترداد الأموال سيُعرض على البرلمان قريبًا.

وقال مسؤولون في الهيئة إن العراق تمكن بالفعل من تجميد وحجز أموال خارج البلاد لمنع المتهمين من التصرف بها، مع العمل بالتنسيق مع وزارة العدل لإقامة دعاوى مدنية لاستعادتها.

رسائل حازمة من الحكومة

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أكد أن «لا حصانة لأي فاسد»، وتعهد بملاحقة كل من استولى على المال العام «ليلًا ونهارًا»، مشددًا على أن أموال العراقيين «أمانة في أعناق الحكومة».

كما أعلن المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن وزارة المالية ستنشئ حسابًا خاصًا لإيداع الأموال المستردة من المتورطين بالكسب غير المشروع، في خطوة تهدف إلى تنظيم إدارة هذه الأموال وضمان إعادتها إلى الدورة الرسمية للاقتصاد.
 

كيف تستفيد الموازنة من الأموال المستردة؟

المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أوضح أن استرداد الأموال المنهوبة لا يقتصر على قيمتها المالية، بل يحمل رسالة سياسية واقتصادية مهمة.

فالأموال المستردة يمكن أن تخفف الضغط على الموازنة العامة، وتقلل الحاجة إلى الاقتراض، وتوفر موارد إضافية للاستثمار في الصحة والتعليم والإسكان والبنية التحتية. كما أن إعادة هذه الأموال إلى الاقتصاد الرسمي تنشط الحركة الاقتصادية وتساعد على خلق فرص عمل جديدة.

العراق ومؤشرات الفساد العالمية

بحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتل العراق المرتبة 136 من أصل 182 دولة، وهو ترتيب يعكس استمرار التحديات الكبيرة في ملف النزاهة والحوكمة.

ويرى محللون أن الحملة الحالية قد تكون أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، خصوصًا بعد سنوات من الوعود التي لم تحقق نتائج ملموسة.

«سرقة القرن» لا تزال حاضرة

ويستحضر العراقيون أيضًا قضية «سرقة القرن» الشهيرة، التي صدر فيها الحكم خلال نوفمبر 2024 بحق رجل أعمال ومسؤولين وموظفين حكوميين بتهمة الاستيلاء على نحو 2.5 مليار دولار من الأمانات الضريبية.

تلك القضية أصبحت رمزًا لحجم الفساد الذي تراكم خلال سنوات، وأحد الأسباب التي دفعت الشارع للمطالبة بإجراءات أكثر حسمًا.

هل يفتح العراق صفحة جديدة؟

يبقى السؤال الأهم.. هل تنجح الحملة الحالية في تغيير المعادلة؟ الحكومة تؤكد أن ما يجري ليس حملة مؤقتة، وأن التحقيقات ستتوسع لتشمل مزيدًا من الملفات والأسماء.

لكن نجاح هذا المسار لن يُقاس فقط بعدد الاعتقالات أو حجم الأموال المضبوطة، بل بقدرة الدولة على استعادة الأموال المنهوبة، ومنع تكرار الفساد، وتحويل ثروة النفط إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن العراقي.

فالعراق لا يفتقر إلى الموارد، بل يخوض معركة طويلة لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وإثبات أن أموال الشعب يمكن أن تعود فعلًا إلى أصحابها.