أكد المهندس سعيد إمبابي، المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة لتداول الذهب والمجوهرات عبر الإنترنت، أن سوق الذهب العالمي يدخل النصف الثاني من عام 2026 مدعومًا باستمرار قوة الطلب الاستثماري، وتوسع مشتريات البنوك المركزية، وتزايد الإقبال الآسيوي على الذهب، في وقت تتغير فيه أنماط الطلب داخل السوق المصرية بصورة واضحة، مع تحول المستهلكين نحو الادخار والاستثمار عبر السبائك والعملات الذهبية على حساب المشغولات.
وأوضح إمبابي أن بيانات مجلس الذهب العالمي كشفت عن استمرار مصر ضمن أبرز أسواق الذهب في منطقة الشرق الأوسط، بعدما بلغ إجمالي مشتريات المصريين من الذهب خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 22 طنًا، موزعة بين 11.9 طنًا من السبائك والعملات الذهبية و10.1 طن من المشغولات الذهبية، وهو ما يعكس استمرار الذهب كأحد أهم أدوات الحفاظ على قيمة المدخرات لدى المصريين.
وأضاف أن مشتريات المصريين خلال الربع الثاني وحده بلغت 11.1 طنًا، مقارنة مع 11.6 طنًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض محدود بلغت نسبته 4.3%، إلا أن تفاصيل الطلب تكشف عن تغيرات جوهرية في سلوك المستهلكين.
السبائك تقود السوق المصرية
وأشار إمبابي إلى أن مشتريات السبائك والعملات الذهبية ارتفعت إلى 6.2 طن خلال الربع الثاني، مقابل 5.9 طن خلال الفترة نفسها من عام 2025، محققة نموًا بنسبة 6%، كما تجاوزت أيضًا مشتريات الربع الأول من العام البالغة 5.7 طن.
في المقابل، انخفض الطلب على المشغولات الذهبية إلى 4.9 طن مقارنة مع 5.7 طن في الربع الثاني من العام الماضي، بتراجع بلغ 14%، كما جاء أقل من مشتريات الربع الأول التي سجلت 5.2 طن.
وأوضح أن هذه الأرقام تؤكد استمرار تحول السوق المصرية من شراء الذهب بغرض الزينة إلى الشراء بهدف الادخار والاستثمار، خاصة في ظل استمرار معدلات التضخم وتقلبات سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وهو ما دفع شريحة كبيرة من المواطنين إلى تفضيل السبائك والعملات باعتبارها الأقل تكلفة والأعلى كفاءة في الحفاظ على القيمة.
وأضاف أن مصر سجلت أداءً لافتًا على مستوى المنطقة، بعدما تجاوزت مشترياتها من السبائك والعملات الذهبية خلال الربع الثاني مشتريات كل من السعودية والإمارات والكويت، في مؤشر واضح على تنامي ثقافة الاستثمار في الذهب داخل السوق المحلية.
تراجع الكميات.. وارتفاع قيمة الإنفاق عالميًا
وأوضح المدير التنفيذي لمنصة آي صاغة أن التقرير كشف عن استمرار الضغوط على الطلب العالمي على المشغولات الذهبية نتيجة الأسعار المرتفعة، حيث انخفض الطلب العالمي إلى 278 طنًا خلال الربع الثاني، وهو أحد أضعف مستويات الطلب في الربع الثاني منذ سنوات.
ورغم انخفاض الكميات، فإن قيمة الإنفاق العالمي على المشغولات ارتفعت بصورة ملحوظة، لتصل إلى 86 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 71 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة بلغت 22%، وهو ما يعكس استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي رغم ارتفاع أسعار الذهب.
وأكد إمبابي أن هذه المعادلة توضح أن المستهلكين حول العالم لم يتخلوا عن الذهب، وإنما اتجهوا إلى شراء قطع أخف وزنًا أو منتجات ذات طابع استثماري أكبر، للحفاظ على القدرة الشرائية دون التخلي عن الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة.
الشرق الأوسط.. الاستثمار يتفوق على المشغولات
وأشار إمبابي إلى أن أسواق الشرق الأوسط شهدت استمرار الضغوط على مبيعات المشغولات الذهبية نتيجة ارتفاع الأسعار، إلا أن الطلب الاستثماري ظل قويًا في معظم الأسواق، مدفوعًا باستمرار التوترات الجيوسياسية ورغبة المستثمرين في التحوط.
وأوضح أن المملكة العربية السعودية سجلت أداءً أفضل نسبيًا بفضل نشاط موسم الحج والطلب المرتبط بحفلات الزفاف، بينما استفادت الإمارات من ارتفاع الطلب على السبائك والعملات الذهبية، مدعومًا بزيادة رسوم استيراد الذهب في الهند، وهو ما عزز جاذبية شراء الذهب من السوق الإماراتية.
وأضاف أن السوق المصرية كانت من أبرز أسواق المنطقة التي شهدت تغيرًا واضحًا في طبيعة الطلب، حيث ارتفع الإقبال على السبائك والعملات مقابل تراجع مشتريات المشغولات، وهو الاتجاه نفسه الذي بدأ يظهر في عدد من الأسواق الإقليمية مع استمرار الأسعار المرتفعة.
وأكد إمبابي أن استمرار هذه التحولات يعكس تغيرًا هيكليًا في سوق الذهب، إذ لم يعد المستهلك ينظر إلى الذهب باعتباره سلعة للزينة فقط، وإنما أصبح وسيلة لحفظ الثروة والتحوط من التضخم وتقلبات الأسواق، وهو ما يدعم استمرار الطلب الاستثماري خلال الفترة المقبلة، خاصة في الأسواق الناشئة.
البنوك المركزية تواصل شراء الذهب.. 345 طنًا في النصف الأول من 2026
وقال المهندس سعيد إمبابي إن البنوك المركزية لا تزال تمثل أحد أهم المحركات الداعمة لسوق الذهب العالمي، بعدما سجل صافي مشترياتها 289 طنًا خلال الربع الثاني من عام 2026، وهو ما رفع إجمالي مشترياتها خلال النصف الأول من العام إلى 345 طنًا، ورغم أن هذا المستوى يعد الأقل منذ عام 2022، فإنه يعكس استمرار التوجه الاستراتيجي للبنوك المركزية نحو زيادة احتياطيات الذهب وتنويع الأصول بعيدًا عن العملات التقليدية.
وأوضح أن وتيرة الشراء تسارعت بشكل واضح خلال الربع الثاني مقارنة بالربع الأول، مدفوعة باستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتزايد المخاطر الاقتصادية العالمية، إلى جانب رغبة البنوك المركزية في تعزيز أدوات التحوط ضد التضخم وتقلبات الأسواق.
وأشار إمبابي إلى أن البنك الوطني البولندي جاء في صدارة أكبر المشترين عالميًا بعدما أضاف 51 طنًا خلال الربع الثاني، لترتفع مشترياته منذ بداية العام إلى 82 طنًا، ويصل إجمالي احتياطياته إلى 632 طنًا، مقتربًا من مستهدفه البالغ 700 طن.
وأضاف أن بنك الشعب الصيني واصل تعزيز احتياطياته أيضًا، بعدما اشترى 33 طنًا خلال الربع الثاني، لترتفع مشترياته خلال النصف الأول إلى 40 طنًا، ويصل إجمالي احتياطياته الرسمية إلى 2346 طنًا، في تأكيد واضح على استمرار الصين في تنفيذ استراتيجية طويلة الأجل لتعزيز حيازاتها من الذهب.
ولفت إلى أن قائمة المشترين ضمت كذلك أوزبكستان وكازاخستان والأردن والتشيك وسنغافورة والإمارات وغانا، وهو ما يؤكد اتساع قاعدة الطلب الرسمي على الذهب وعدم اقتصاره على الاقتصادات الكبرى فقط.
وأكد إمبابي أن نتائج استطلاع مجلس الذهب العالمي تعكس استمرار هذا الاتجاه، حيث توقع 89% من البنوك المركزية المشاركة ارتفاع احتياطيات الذهب العالمية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، بينما أبدى 45% منها نيتها زيادة احتياطياتها من الذهب، وهي أعلى نسبة يتم تسجيلها منذ بدء الاستطلاع.
الاستثمار العالمي يحافظ على قوته رغم تراجع الأسعار
وأوضح إمبابي أن الطلب الاستثماري لا يزال يمثل المحرك الرئيسي لسوق الذهب، رغم التراجع النسبي الذي شهدته الأسعار خلال الربع الثاني.
وأشار إلى أن الاستثمار في السبائك والعملات الذهبية بلغ 784 طنًا خلال النصف الأول من عام 2026، ليظل من بين أقوى مستويات الاستثمار المسجلة تاريخيًا، بينما ارتفعت قيمة هذه الاستثمارات إلى 44.5 مليار دولار مقارنة مع 33.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وأضاف أن التداولات خارج البورصة (OTC) سجلت أداءً استثنائيًا، بعدما بلغت 571 طنًا خلال النصف الأول من العام، مدفوعة بشكل رئيسي بالطلب الآسيوي، وهو ما يعكس استمرار المؤسسات الاستثمارية الكبرى في زيادة تعرضها للذهب.
وفي المقابل، شهدت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب تراجعًا محدودًا خلال الربع الثاني، لتنخفض حيازاتها العالمية بمقدار 45 طنًا، بينما استقرت الأصول المدارة عند نحو 526 مليار دولار بنهاية يونيو، مع استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد الحقيقية وتقلبات السياسة النقدية الأمريكية.
الإنتاج العالمي يسجل مستويات قياسية
وأشار إمبابي إلى أن جانب العرض لم يشهد استجابة كبيرة لارتفاع الأسعار، رغم تحقيق إنتاج المناجم مستويات تاريخية.
وأوضح أن إنتاج المناجم ارتفع بنسبة 2% خلال الربع الثاني ليصل إلى 966 طنًا، وهو أعلى إنتاج مسجل لهذا الربع على الإطلاق، فيما بلغ إجمالي المعروض العالمي من الذهب 1269 طنًا، دون تغير يُذكر مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأضاف أن إعادة تدوير الذهب تراجعت إلى 326 طنًا بانخفاض 6% على أساس سنوي، نتيجة تراجع الأسعار مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلتها في الربع الأول، وهو ما يعكس استمرار احتفاظ المستثمرين والأفراد بمقتنياتهم الذهبية انتظارًا لموجة صعود جديدة.
كما أشار إلى أن متوسط التكلفة الإجمالية المستدامة لإنتاج الذهب عالميًا ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 1785 دولارًا للأوقية، الأمر الذي قد يحد من قدرة شركات التعدين على زيادة الإنتاج بوتيرة سريعة خلال الفترة المقبلة.
آسيا تقود الطلب العالمي
وأكد إمبابي أن الأسواق الآسيوية ستظل المحرك الرئيسي للطلب العالمي خلال النصف الثاني من العام، في ظل استمرار انخفاض أسعار الفائدة في الصين، وضعف قطاع العقارات، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يعزز جاذبية الذهب كملاذ آمن.
وأضاف أن المستثمرين الصينيين يواصلون زيادة استثماراتهم في السبائك والعملات وخطط الادخار المرتبطة بالذهب، بينما يحافظ المستثمرون الهنود على نظرتهم الإيجابية تجاه المعدن النفيس، مع استغلال فترات تراجع الأسعار لزيادة المشتريات، رغم بعض الضغوط الناتجة عن موسم الأمطار ورسوم الاستيراد.
توقعات النصف الثاني من 2026
واختتم إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أن المؤشرات الحالية ترجح استمرار قوة الطلب الاستثماري على الذهب خلال ما تبقى من عام 2026، مدعومًا بزيادة نشاط التداول خارج البورصة، واستمرار مشتريات البنوك المركزية، والطلب القوي من الأسواق الآسيوية.
وأضاف أن الطلب على المشغولات الذهبية سيظل تحت ضغط نتيجة استمرار الأسعار المرتفعة، بينما سيظل الذهب يحافظ على مكانته كأحد أهم أدوات التحوط والادخار عالميًا، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية، ومخاطر التضخم، وعدم وضوح مسار السياسة النقدية الأمريكية.
وأشار إلى أن السوق ستظل تراقب خلال الأشهر المقبلة تحركات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والعوائد الحقيقية على السندات، وقوة الدولار الأمريكي، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرًا في اتجاهات أسعار الذهب، إلى جانب استمرار مشتريات البنوك المركزية، التي أصبحت تمثل أحد أهم ركائز الطلب العالمي على المعدن النفيس.



