لم يكن انتقال محمد صلاح إلى طرابزون سبور التركي مجرد صفقة انتقال حر بعد نهاية رحلته التاريخية مع ليفربول بل جاء بعد سباق تفاوضي معقد شاركت فيه عدة أندية قبل أن يحسم النجم المصري وجهته الجديدة نحو الدوري التركي.
فالقرار الذي أثار الكثير من علامات الاستفهام لم يكن وليد اللحظة بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل الرياضية والمالية إلى جانب طريقة إدارة المفاوضات وهي أمور لعبت دورًا حاسمًا في اختيار قائد منتخب مصر للنادي الذي يستعد لكتابة فصل جديد في مسيرته الأوروبية.
حلم الاستمرار في أوروبا
منذ اللحظة الأولى التي تأكد فيها رحيل محمد صلاح عن ليفربول كان هدف اللاعب واضحًا وهو مواصلة مشواره في الملاعب الأوروبية.
ورغم العروض المغرية التي تلقاها من الدوري السعودي فإن صلاح فضّل البقاء في القارة العجوز بحثًا عن تحدٍ جديد يحافظ من خلاله على حضوره في أعلى مستويات المنافسة.
هذا التوجه جعل تركيا الخيار الأكثر واقعية خاصة بعد تعثر مفاوضات عدد من الأندية الإيطالية التي أبدت اهتمامها بضم اللاعب لكنها لم تتمكن من تلبية مطالبه المالية.
بشكتاش كان الأقرب
في بداية المفاوضات بدا بشكتاش الأقرب لحسم الصفقة ودخل النادي في مفاوضات مباشرة مع رامي عباس وكيل أعمال محمد صلاح وسط قناعة من اللاعب بالمشروع الرياضي الذي عرضه النادي إلى جانب الحماس الجماهيري الكبير لفكرة التعاقد معه.
لكن المفاوضات التي بدأت بصورة إيجابية انتهت إلى طريق مسدود بسبب سلسلة من الأخطاء التي أفسدت العلاقة بين الطرفين.
السرية.. نقطة الخلاف الأولى
يعرف رامي عباس داخل أوساط كرة القدم بأنه من أكثر وكلاء اللاعبين تمسكًا بسرية المفاوضات لكن خلال محادثات بشكتاش خرجت عدة تسريبات إعلامية تحدثت عن اقتراب الاتفاق قبل أن يدلي أحد أعضاء مجلس إدارة النادي بتصريحات ألمح خلالها إلى قرب وصول صلاح.
هذه الخطوة أثارت غضب وكيل اللاعب الذي اعتبر أن كشف تفاصيل المفاوضات يضر بموقفه التفاوضي مع بقية الأندية.
ورغم محاولة رئيس النادي سردال أدالي احتواء الأزمة بنفي الشائعات والتأكيد على احترام السرية فإن الثقة كانت قد بدأت تهتز بالفعل.
تصريحات أنهت المفاوضات
الضربة الأكبر جاءت عندما خرج رئيس بشكتاش في تصريحات إعلامية كشف خلالها تفاصيل تتعلق بالمفاوضات مؤكدًا أن رامي عباس طلب عمولة تصل إلى 35%.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد إذ خرج مدير كرة القدم بالنادي بتصريحات أخرى تحدث فيها عن طلب "عمولات غير قانونية" مؤكدًا أن بشكتاش لن يقبل بهذه الشروط.
وبالنسبة إلى وكيل صلاح مثلت هذه التصريحات تجاوزًا غير مقبول لينسحب من المفاوضات نهائيًا دون العودة مرة أخرى إلى طاولة الحوار.
طرابزون استغل الفرصة
في المقابل تعامل طرابزون سبور مع الملف بطريقة مختلفة تمامًا ورغم أن النادي لم يكن يمتلك التمويل الكافي في بداية المفاوضات فإنه واصل العمل بهدوء حتى نجح رئيسه إرطغرل دوغان في توفير الموارد المالية اللازمة لإتمام الصفقة ومنذ تلك اللحظة تغيرت الأمور سريعًا.
مفاوضات هادئة واحترام كامل
حرص مسؤولو طرابزون على الالتزام الكامل بالسرية التي طلبها رامي عباس ولم يصدر النادي أي تصريحات تكشف تطورات المفاوضات بل كان رئيسه يخرج في كل مناسبة لينفي وجود اتفاق حفاظًا على رغبة اللاعب ووكيله.
كما أبدى النادي مرونة كبيرة في تلبية جميع المطالب التي طُرحت خلال المفاوضات سواء فيما يتعلق بالعقد أو المكافآت أو الحقوق التجارية وهذه الطريقة الاحترافية في إدارة الملف صنعت الفارق في النهاية.
عرض مالي ضخم
ولم يكن الجانب المالي بعيدًا عن أسباب اختيار طرابزون فالنادي التركي قدم لمحمد صلاح عقدًا يعد الأكبر في تاريخ الكرة التركية يتضمن راتبًا سنويًا يبلغ نحو 17 مليون يورو و مكافأة توقيع تصل إلى 5 ملايين يورو وحقوقًا تجارية تتعلق باستخدام الصور ونسبة من مبيعات القمصان.
ورغم أن بعض الجماهير اعتقدت أن هذا الرقم أقل من راتبه في ليفربول فإن العرض التركي وفر للاعب دخلاً سنويًا يعد من الأعلى بين اللاعبين في أوروبا.
ماذا عن الدوري السعودي؟
دخل نادي الاتحاد السعودي على خط المفاوضات خلال الفترة الأخيرة وحاول بقوة إقناع صلاح بخوض تجربة جديدة في دوري روشن.
ووصلت قيمة العرض إلى ما بين 20 و25 مليون يورو سنويًا في البداية قبل أن ترتفع المحاولات لاحقًا إلى ما يقارب 30 مليون يورو.
لكن رامي عباس تمسك بالحصول على راتب يبلغ 40 مليون يورو سنويًا وهو ما جعل المفاوضات تتعثر.
كما لعبت الضمانات المالية وسرعة حسم الصفقة دورًا مهمًا في تفضيل العرض التركي.
لماذا فاز طرابزون؟
في النهاية لم يكن المال وحده سبب اختيار محمد صلاح بل اجتمعت عدة عوامل صنعت القرار النهائي أبرزها
الرغبة في الاستمرار داخل أوروبا والمشروع الرياضي الذي قدمه النادي والاحترافية الكبيرة في إدارة المفاوضات واحترام رغبة اللاعب ووكيله في السرية والمرونة في تلبية المطالب المالية والتجارية وسرعة إنهاء جميع التفاصيل دون أزمات إعلامية وبداية تحدٍ جديد
بانتقاله إلى طرابزون سبور يبدأ محمد صلاح محطة مختلفة في مسيرته الاحترافية بعد سنوات صنع خلالها تاريخًا استثنائيًا مع ليفربول.
وستتجه الأنظار الآن إلى النجم المصري لمعرفة ما إذا كان قادرًا على نقل خبراته الكبيرة إلى الدوري التركي وقيادة طرابزون نحو المنافسة على الألقاب في صفقة لا تعد مجرد انتقال لاعب كبير بل حدثًا تاريخيًا غير مسبوق في الكرة التركية قد يغيّر شكل المنافسة في الموسم الجديد.




