خلال نحو عامين، تحولت قضايا التجسس المرتبطة بإيران إلى واحدة من أبرز الملفات الأمنية التي تواجه إسرائيل، بعدما كشفت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن سلسلة متلاحقة من القضايا التي تورط فيها مواطنون من أعمار وخلفيات مختلفة، بعضهم اتُّهم بتنفيذ مهام بسيطة، بينما وصل آخرون إلى جمع معلومات حساسة عن مسؤولين وقواعد عسكرية ومحاولة تنفيذ عمليات اغتيال.
وبحسب تقرير نشره موقع «واي نت»، فإن قائمة المشتبه بهم والمتهمين تمتد من مراهق يبلغ من العمر 13 عامًا، إلى رجل يبلغ 72 عامًا سبق أن دخل الأراضي الإيرانية، مرورًا بطلاب وجنود ومهاجرين جدد ومواطنين عاديين.
وتنوعت المهام المنسوبة إليهم بين تصوير مواقع وشخصيات، وجمع معلومات استخباراتية، ورش شعارات على الجدران، وإحراق مركبات، ووضع كاميرات، وصولًا إلى مهام مرتبطة بمحاولات استهداف شخصيات إسرائيلية.
رجل السبعينيات.. بداية سلسلة التجسس
في سبتمبر 2024، ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على مردخاي «موتي» مامان، البالغ من العمر 72 عامًا من عسقلان، واتهمته بالتواصل مع عميل أجنبي بعد الاشتباه في تجنيده من جانب جهات إيرانية.
وبحسب لائحة الاتهام، دخل مامان إيران مرتين والتقى بعناصر إيرانية، وناقش معهم إمكانية تنفيذ أعمال إرهابية داخل إسرائيل، من بينها استهداف رئيس الوزراء ووزير الدفاع ورئيس جهاز الأمن العام «الشاباك».
وقال مامان خلال التحقيق معه، وفق التقرير، إن الإنسان قد يتصرف بصورة مختلفة إذا عُرضت عليه مبالغ مالية كبيرة.
ومنذ تلك القضية، توالت ملفات أخرى كشفتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، ما دفع السلطات إلى التحذير من محاولات تجنيد مواطنين إسرائيليين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة.
من إحراق السيارات إلى التخطيط للاغتيالات
في أكتوبر 2024، اتُّهم فلاديسلاف فيكتورسون، البالغ 30 عامًا، وشريكته آنا بيرنشتاين، 18 عامًا، بالتواصل مع جهات إيرانية وتنفيذ مهام مختلفة بناءً على توجيهاتها.
ووفق الاتهامات، شملت المهام إخفاء أموال وإحراق مركبات، فيما وافق فيكتورسون، بحسب التحقيقات، على تنفيذ مهمة لتصفية شخصية داخل إسرائيل.
وبعد أيام، كُشفت قضية أخرى تورط فيها سبعة إسرائيليين من أصول أذربيجانية، بينهم أب وابنه، في أنشطة قالت السلطات إنها مرتبطة بالتجسس لصالح إيران.
استهداف علماء ومسؤولين
وفي قضية أخرى، ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على سبعة أشخاص من حي بيت صفافا في القدس، تتراوح أعمارهم بين 19 و23 عامًا، للاشتباه في تنفيذهم مهام لصالح جهات إيرانية.
وبحسب الاتهامات، تضمنت المهام جمع معلومات تمهيدًا لاستهداف عالم نووي إسرائيلي ورئيس بلدية.
كما اتُّهم بنيامين آشر فايس، من بني براك، بجمع معلومات عن عالم نووي إسرائيلي بهدف استهدافه، بينما أوقف في الوقت نفسه رافائيل ولالا غولايف، من سكان اللد، للاشتباه في تنفيذ مهام لصالح شبكة إيرانية تستهدف تجنيد إسرائيليين من أصول قوقازية.
تجنيد عبر تطبيقات التواصل
وتكشف القضايا المتعاقبة عن اعتماد متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة في عمليات التجنيد.
فقد اتُّهم شاب من نوف هجليل، يبلغ 33 عامًا، بالتواصل مع شخص يستخدم اسمًا مستعارًا، وعُرضت عليه مهام من بينها رش شعارات على الجدران ضد الحكومة.
كما ظهرت قضايا أخرى مرتبطة بحزب الله، من بينها قضية شاب من الناصرة يبلغ 19 عامًا، اتُّهم بمحاولة التواصل مع التنظيم وطلب الانضمام إلى صفوفه.
وفي قضية أخرى، اتُّهم مواطنان من القدس بالتواصل مع امرأة عبر مجموعة على تطبيق واتساب، ونقل معلومات عن إسرائيل إليها، رغم معرفتهما لاحقًا بصلتها بحزب الله.
تصوير منازل مسؤولين وقواعد عسكرية
مع بداية عام 2025، توسعت القضايا لتشمل تصوير منازل مسؤولين وشخصيات سياسية ومنشآت استراتيجية.
واتُّهم ألكسندر غرانوفيسكي، من بيتاح تكفا، بتصوير الحي الذي يقيم فيه رئيس حزب «أزرق أبيض» بني غانتس، إضافة إلى محطة لتوليد الطاقة في تل أبيب.
وفي قضية أخرى، اتُّهم جنديا احتياط، يوري إلياسوف وجورجي أندرييف، بتنفيذ مهام لصالح جهات إيرانية. وكان إلياسوف قد خدم في منظومة «القبة الحديدية»، ما منحه، بحسب الاتهامات، إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة.
وطُلب منه تصوير المنظومة ونقل مواد عنها إلى الجهات التي تواصلت معه.
كما اتُّهم دانيال كايتوف بتصوير منزل الرئيس السابق للشاباك رونين بار، وعرض تصوير منزل بني غانتس أيضًا.
أهداف عسكرية ومنشآت استراتيجية
وتوالت القضايا خلال الأشهر التالية، حيث اتُّهم دورون بوخوڤزه، وهو مهندس يعمل في مصنع «حيفا كيميكالز»، بالتواصل مع جهات إيرانية وعرض نقل معلومات إليها.
كما أُلقي القبض على إدوارد يوسوبوف، البالغ 65 عامًا، للاشتباه في تنفيذ مهام مراقبة وتصوير لمواقع بنية تحتية ومنشآت أمنية داخل إسرائيل.
وفي قضية أخرى، اتُّهم ديمتري كوهين، من حيفا، بنقل معلومات حساسة تضمنت توثيق قواعد للجيش الإسرائيلي ومنازل مرتبطة بمسؤولين كبار.
حتى الأطفال لم يكونوا خارج دائرة التجنيد
ومن أكثر القضايا إثارة للجدل، قضية مراهق إسرائيلي من تل أبيب لم يتجاوز عمره 13 عامًا ونصف.
وبحسب الشرطة والشاباك، تواصلت معه جهات إيرانية عبر تطبيق «تلغرام»، وطلبت منه تنفيذ مهام مختلفة مقابل مبالغ مالية.
وتُظهر القضية، وفق الرواية الأمنية الإسرائيلية، أن عمليات التجنيد لم تعد تستهدف أصحاب الخبرات العسكرية أو الأمنية فقط، وإنما يمكن أن تمتد إلى أشخاص صغار السن يتم استدراجهم عبر الإنترنت.
المال والابتزاز كأدوات للتجنيد
وفي يوليو 2025، اتُّهم شابان من طبريا بتنفيذ مهام تجسس مقابل الحصول على مدفوعات بالعملات المشفرة.
وتضمنت المهام، وفق الاتهامات، كتابة أو حرق رسائل وشعارات سياسية، إلى جانب تصوير ترتيبات أمنية في مراكز تجارية ومستشفى.
كما اتُّهم شاب آخر من بئر يعقوب برش شعارات ضد الحكومة ولصالح النظام الإيراني، إضافة إلى إحراق زي عسكري.
وتشير هذه القضايا إلى استخدام الأموال والعملات المشفرة كوسيلة لجذب مجندين لتنفيذ مهام محدودة في البداية، قبل الانتقال إلى أعمال أكثر حساسية.
مهام غريبة.. ورسائل استفزازية
وفي إحدى القضايا، اتُّهم إليملك شتيرن، وهو شاب من بيت شيمش، بالتواصل عبر «تلغرام» مع حساب يحمل اسمًا مستعارًا، وتنفيذ مهام داخل إسرائيل.
ومن بين المهام المنسوبة إليه وضع رأس خروف أمام منزل السفير الإسرائيلي لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في عملية بدت ذات طابع استفزازي أكثر من كونها عملية استخباراتية تقليدية.
كما كشفت قضية أخرى عن اتهام جندي بنقل مقاطع تتعلق بعمليات اعتراض الصواريخ وتصوير مواقع سقوطها داخل إسرائيل.
جنود ومعلومات من قواعد سلاح الجو
وشملت القضايا مواطنين يخدمون في الجيش الإسرائيلي، بينهم جنود في الخدمة النظامية والاحتياط.
وفي نوفمبر الماضي، اتُّهم شمعون أزرزار، من كريات موتسكين، باستغلال خدمة شريكته في الاحتياط لنقل معلومات وتوثيقات حساسة من قاعدة رامات دافيد الجوية إلى جهات إيرانية، بحسب الاتهام.
وفي قضية أخرى، اتُّهم رافائيل روبيني، من بئر السبع، بالتواصل مع عميل إيراني وتنفيذ مهام لصالحه مقابل المال أثناء خدمته العسكرية.
متهمون من جنسيات وأصول مختلفة
لم تقتصر القضايا على المواطنين الإسرائيليين المولودين داخل البلاد.
فقد شملت التحقيقات مهاجرين من إيران ودول القوقاز، ومواطنين يحملون جنسيات أجنبية، من بينهم مواطن روسي اتُّهم بتصوير منشآت حساسة وسفن عسكرية.
كما اتُّهم مواطن أمريكي مقيم في إسرائيل بتنفيذ مهام لصالح جهات مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية، من بينها تصوير مواقع حساسة.
وفي قضية أخرى، اتُّهم مواطن من طاجيكستان يحمل جواز سفر روسيًا بجمع معلومات عن مواقع تعرضت لضربات صاروخية وتصوير منشآت، بينها ميناء حيفا ومصنع تابع لشركة «إلبيت سيستمز».
محاولة تصنيع متفجرات لاستهداف نتنياهو
وفي مارس 2026، ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على آمي غايدروف وثلاثة آخرين من مناطق حيفا وكريات شمونة.
ووفق الاتهامات، كان غايدروف المشتبه الرئيسي في قضية تتعلق بتصنيع متفجرات بهدف استهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت.
وفي الشهر نفسه، ألقي القبض على جنديين من سلاح الجو يعملان في مجال الصيانة الفنية، للاشتباه في ارتكاب مخالفات أمنية لصالح جهات مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية.
أحدث القضايا.. زوجان في عسقلان
وفي أحدث الملفات التي كُشف عنها، وُجهت لائحة اتهام إلى الزوجين تامرلان أمشوكوف، 26 عامًا، وألينا كوشنيرينكو، 24 عامًا، من عسقلان، بتهمة التجسس لصالح إيران.
وبحسب لائحة الاتهام، امتدت أنشطتهما من أبريل إلى يوليو 2026، وشملت جمع معلومات عن مواقع مختلفة داخل إسرائيل، بينها مساكن أفراد من الأجهزة الأمنية ومنشآت مدنية وعسكرية.
وتتهمهما السلطات بتوثيق مبانٍ سكنية في أشدود وبئر السبع وحيفا، إلى جانب منطقة جبل هرتسل في القدس.
وبحسب الادعاء، كان الزوجان يستعدان لتنفيذ مهمة أخرى في بئر السبع عندما ألقت السلطات القبض عليهما، ما حال دون تنفيذها.
شبكة تجنيد تتوسع بأساليب غير تقليدية
وتكشف سلسلة القضايا، بحسب التقرير الإسرائيلي، عن تغير واضح في أساليب التجنيد المنسوبة إلى جهات إيرانية؛ إذ لم تعد تقتصر على محاولة الوصول إلى أصحاب المواقع الحساسة، بل شملت مواطنين عاديين، وشبابًا، ومراهقين، وجنودًا، ومهاجرين.
وتنوعت المهام من أعمال تبدو بسيطة أو رمزية، مثل رش الشعارات وتصوير مواقع عامة، إلى جمع معلومات استخباراتية عن القواعد العسكرية ومنازل المسؤولين والمنشآت الاستراتيجية، وصولًا إلى اتهامات بالتخطيط لعمليات اغتيال.
وفي حين لا تزال العديد من هذه الملفات أمام القضاء ولم يصدر فيها حكم نهائي، فإن تواليها خلال أقل من عامين دفع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى التعامل مع التجنيد عبر الإنترنت باعتباره تحديًا أمنيًا متزايدًا، خصوصًا مع سهولة استهداف أفراد لا يملكون بالضرورة خبرة استخباراتية أو عسكرية.



