تبدو الساحات الرئيسية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل أمام مرحلة من الجمود العسكري والسياسي، في وقت تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اختارت تهدئة المواجهة مع إيران مؤقتًا، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري مفتوحة، وربما حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي والانتخابات الإسرائيلية.
وبحسب تحليل للكاتب الإسرائيلي رون بن يشاي في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، خلص ترامب وفريقه إلى أن المفاوضات مع النظام الإيراني وممثليه لن تحقق، على الأرجح، نتائج عملية في المستقبل القريب، ولذلك جرى تغيير المسار بدلًا من الاستمرار في التهديد والتصعيد.
ووصف ترامب هذا التوجه بأنه «خفض لمستوى الظهور الإعلامي»، موضحًا أن واشنطن ستخفض حدة الخطاب والتهديدات، لكنها ستواصل في الوقت نفسه ممارسة الضغط الاقتصادي على طهران.
هدنة مؤقتة مع استمرار الضغط على إيران
ووفقًا للتقديرات التي يستند إليها التقرير، من المتوقع أن يستمر هذا التجميد حتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 8 نوفمبر، وربما لفترة أطول قليلًا، على أن تعيد الإدارة الأمريكية بعد ذلك تقييم الوضع، بالتنسيق مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة التي قد تتشكل عقب الانتخابات.
وعندها، ستتخذ واشنطن قرارًا بشأن استئناف الحملة العسكرية ضد إيران أو الانتقال إلى مسار آخر، سواء دبلوماسيًا أو عبر أدوات ضغط مختلفة.
ولا يعني ذلك، بحسب التحليل، رفع العقوبات عن طهران؛ بل على العكس، ستواصل الولايات المتحدة استخدام العقوبات المفروضة على النظام، إلى جانب الضغط البحري، بهدف إبقاء الاقتصاد الإيراني تحت الضغط.
استثناء يتعلق بمضيق هرمز
ويشير التقرير إلى وجود استثناء رئيسي لهذه الهدنة يتعلق بحركة النفط والغاز في المنطقة، إذ يُتوقع أن تسمح واشنطن باستمرار تدفق صادرات الطاقة، بما في ذلك عبر ترتيبات محتملة لإعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب المصادر التي أوردها الكاتب، تجري مفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بهذا الشأن، مع مشاركة أمريكية سرية في المحادثات، فيما تترك واشنطن للطرفين مساحة للتوصل إلى اتفاق يناسبهما، بشرط أساسي يتمثل في عدم فرض إيران رسوم عبور على السفن التي تمر بالمضيق.
ويرى التقرير أن هذا الترتيب قد يسمح لإيران بالاستفادة جزئيًا من استئناف صادراتها النفطية والغازية باتجاه الصين وباكستان والهند، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة فتح المضيق جزئيًا لتخفيف أزمة أسعار النفط العالمية التي تنعكس أيضًا على السوق الأمريكية.
4 أسباب دفعت ترامب إلى تغيير استراتيجيته
ويحدد التحليل الإسرائيلي أربعة أسباب رئيسية وراء قرار الإدارة الأمريكية تهدئة المواجهة مؤقتًا:
أولًا: الانتخابات الأمريكية.
يرغب ترامب في الحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي، إذ تمنحه هذه الأغلبية مساحة أكبر للتحرك في ملفات عدة، من بينها إمكانية استئناف الحرب ضد إيران إذا قرر ذلك.
كما أن استمرار الحرب قد ينعكس سياسيًا على الجمهوريين، خصوصًا مع تأثير أسعار الوقود والخسائر العسكرية المحتملة على الناخب الأمريكي.
ثانيًا: تعثر المفاوضات مع طهران.
بحسب التقرير، خلصت واشنطن إلى أن الأجنحة المتشددة داخل الحرس الثوري الإيراني والتيارات القريبة منها ترفع سقف مطالبها في المفاوضات، مستفيدة من اعتقادها بأن الإدارة الأمريكية لا ترغب في تنفيذ تهديداتها العسكرية.
ويرى الكاتب أن هذا التصعيد جعل حتى بعض أبرز مؤيدي المسار التفاوضي داخل الإدارة الأمريكية، ومن بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، أكثر تشككًا في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع النظام الإيراني، سواء بشأن الملف النووي أو فتح مضيق هرمز.
ثالثًا: تدهور الاقتصاد الإيراني.
تراهن واشنطن، وفق التحليل، على أن استمرار الضغوط الاقتصادية قد يضعف قدرة النظام الإيراني على الصمود خلال الأشهر المقبلة، وربما يخلق ظروفًا تسمح بمفاوضات أكثر مرونة أو تؤدي إلى تغيرات داخلية أكبر.
ويرى التقرير أن استمرار الحرب نفسها قد يكون أحد أسباب عدم خروج الإيرانيين بأعداد كبيرة إلى الشوارع، إذ تميل المجتمعات في فترات الحرب إلى الالتفاف حول السلطة أو تقليل الاحتجاجات العلنية.
رابعًا: إعادة بناء مخزون الأسلحة الأمريكية.
أدى الاستخدام المكثف للأسلحة خلال المواجهات السابقة مع إيران إلى تراجع مخزونات أمريكية من بعض الأسلحة الاستراتيجية، الأمر الذي دفع وزارة الدفاع الأمريكية إلى تسريع عمليات إنتاج الصواريخ الاعتراضية وصواريخ الهجوم.
وتريد واشنطن، بحسب التقرير، إعادة بناء مخزوناتها قبل الدخول في مواجهة عسكرية جديدة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى الاحتفاظ بقدرات كافية لمواجهة أي تهديدات أخرى، وعلى رأسها الصين.
إسرائيل تفضّل الصمت
ويعتبر التقرير أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تخدم المصالح الإسرائيلية، لأنها تعني استمرار العقوبات والضغط الاقتصادي والبحري على إيران، وهو ما قد يعرقل قدرة طهران على إعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ الباليستية أو استئناف برنامجها النووي بالوتيرة السابقة.
كما يمكن أن يحد الضغط الاقتصادي من قدرة إيران على تقديم الدعم لحلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله والحوثيون.
وبحسب بن يشاي، فإن هذا التوجه يتطابق إلى حد كبير مع توصيات المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية، وهو ما يفسر، وفق تحليله، التزام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته الصمت وعدم الدفع باتجاه تصعيد فوري.
غزة.. خلط بين مسارين
وفي قطاع غزة، يرى التقرير أن حالة الغموض الحالية تعود جزئيًا إلى الخلط بين مسارين مختلفين يجري العمل عليهما.
المسار الأول يتم بالتنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديدًا بين الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي والجهات المرتبطة بـ«مجلس السلام»، ويتركز على الاستعداد لتنفيذ الخطوات التالية من خطة ترامب الأصلية المكونة من 20 بندًا.
وفي إطار هذا المسار، تجري الاستعدادات لإنشاء حي سكني تجريبي في منطقة مفتوحة بين خان يونس ورفح، يُفترض أن ينتقل إليه فلسطينيون لا يشاركون في أنشطة سياسية أو عسكرية، بعد خضوعهم لآلية تحقق للتأكد من عدم ارتباطهم بحركة حماس.
أما المشروع الثاني فيتعلق بإنشاء معسكر لقوة استقرار متعددة الجنسيات في منطقة مفتوحة شمال رفح، لإيواء القوات التي يُفترض أن تدخل قطاع غزة ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية.
ويؤكد التقرير أن هذه المشاريع تُنفذ خلف الخط الأصفر، أي داخل المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حاليًا، ولا تعني، وفق هذا التقييم، بدء انسحاب إسرائيلي فعلي من تلك المناطق.
لماذا لم تبدأ خطة النقاط الـ15 فعليًا؟
ويشدد التحليل على ضرورة التمييز بين هذه الاستعدادات وبين خارطة الطريق المكونة من 15 بندًا التي أعلنها «مجلس السلام» مؤخرًا.
فالخطة، بحسب التقرير، لا تزال موضع نقاش سياسي بين الحكومة الإسرائيلية والمجلس، خصوصًا بشأن آلية انسحاب الجيش الإسرائيلي ونزع سلاح حركة حماس.
وتتمسك إسرائيل، وفق التحليل، بأن يبدأ انسحاب قواتها فقط بعد أن تتخلى حماس عن جميع أسلحتها، مع ضمان عدم قيام الحكومة الفلسطينية المستقبلية في غزة بتخزين الأسلحة بما يسمح للحركة بالعودة إلى السيطرة على القطاع.
في المقابل، يقترح «مجلس السلام»، برئاسة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، تنفيذ عملية نزع السلاح تدريجيًا ومنطقة تلو الأخرى، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي يتم نزع السلاح منها.
وترفض الحكومة الإسرائيلية، بحسب التقرير، هذا الطرح، معتبرة أن الانسحاب التدريجي قبل ضمان نزع السلاح الكامل قد يمنح حماس فرصة لإعادة بناء قوتها.
لا تغيير كبير قبل الانتخابات
وبناءً على هذه المعطيات، يخلص بن يشاي إلى أن التغيير الحقيقي في ساحات إيران وغزة ولبنان قد يتأجل إلى ما بعد الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة.
ففي إيران، تفضل واشنطن في المرحلة الحالية الجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري دون العودة إلى حرب مفتوحة.
وفي غزة، لا تزال الخطط المستقبلية تواجه خلافات سياسية بشأن نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي.
أما في لبنان، فلا تبدو هناك، وفق التحليل، مؤشرات على تحول استراتيجي كبير في المدى القريب.
وبالتالي، فإن المشهد الإقليمي، بحسب هذا التقييم الإسرائيلي، يتجه إلى مرحلة من التجميد المؤقت: لا حرب شاملة جديدة، ولا تسوية نهائية، وإنما انتظار لما ستكشفه الأشهر المقبلة وما ستسفر عنه الانتخابات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.



