لطالما شكل تكون أكبر وأندر وأثمن أنواع الماس لغزا محيرا للعلماء، إذ تختلف هذه الأحجار الاستثنائية عن الماس التقليدي في الحجم والنقاء والظروف الجيولوجية التي تنشأ فيها.
وفي اكتشاف علمي جديد، نجح باحثون في جامعة كيب تاون بجنوب أفريقيا، بالتعاون مع علماء من معهد كارنيغي للعلوم في الولايات المتحدة وجامعة الصين لعلوم الأرض في بكين، في تحديد مؤشرات جيولوجية قد تفسر سر تكوّن هذه الماسات النادرة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications، لتقدم أدلة جديدة على ارتباط تكوّن الماسات العملاقة بمناطق غير عادية غنية بالحديد في أعماق وشاح الأرض.
ماسات "كليبير".. جواهر استثنائية من باطن الكوكب
ركزت الدراسة على فئة نادرة للغاية من الماس تعرف باسم CLIPPIR، وهي أحجار تتميز بضخامتها ونقائها الاستثنائي وشكلها غير المنتظم الناتج عن عمليات إعادة التبلور.
ويصل وزن بعض هذه الماسات في حالتها الخام إلى أكثر من 100 قيراط، كما تكاد تخلو من الشوائب المعدنية والسوائل التي توجد عادة في الماس التقليدي، ما يمنحها قيمة استثنائية في صناعة الأحجار الكريمة.
ولا تمثل ماسات كليبير سوى أقل من 1% من إجمالي الماس الموجود على الأرض، لكنها تضم بعضًا من أشهر وأثمن الأحجار المكتشفة في التاريخ.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ماسة كولينان، التي بلغ وزنها عند اكتشافها في جنوب أفريقيا عام 1905 نحو 3106 قراريط، قبل أن تُقطع إلى مجموعة من الأحجار، من أشهرها "نجمة أفريقيا الكبرى" التي تزن نحو 530 قيراطًا.
على أعماق تفوق الماس التقليدي
يتشكل معظم الماس المستخدم في صناعة المجوهرات على أعماق تتراوح عادة بين 150 و200 كيلومتر أسفل القارات القديمة.
لكن ماسات كليبير تنتمي إلى عالم مختلف؛ إذ تشير الأدلة إلى أنها تبلورت في أعماق أكبر بكثير، داخل منطقة انتقالية من وشاح الأرض تمتد تقريبًا بين 410 و660 كيلومترًا تحت السطح.
ويعتقد العلماء أن الضغوط الهائلة في هذه المنطقة، إلى جانب الظروف الكيميائية والحرارية النادرة، وفرت البيئة المناسبة لنمو بلورات ضخمة ونقية للغاية.
ويستدل الباحثون على العمق الذي تشكلت فيه هذه الماسات من خلال شوائب معدنية دقيقة محبوسة داخلها، من بينها معدن "غارنت الماجوريت"، الذي لا يتشكل إلا في ظروف الضغط المرتفع الموجودة في أعماق الوشاح.
الأوليفين يكشف "البصمة" الخفية
للوصول إلى تفسير أكثر دقة، درس الفريق معدن الأوليفين الموجود بكثرة في صخور الكمبرلايت، وهي صخور بركانية نادرة تصل إلى سطح الأرض قادمة من أعماق الوشاح.
وتعمل صهارات الكمبرلايت، وفق الباحثين، بمثابة "مصاعد طبيعية" تنقل الماس والمعادن من أعماق الأرض إلى سطحها خلال اندفاعات بركانية سريعة.
وتحمل حبيبات الأوليفين داخل هذه الصخور معلومات عن المناطق التي مرت بها الصهارة أثناء صعودها، وهو ما يسمح للعلماء باستخدامها كعينات طبيعية تكشف خصائص باطن الأرض دون الحاجة إلى عمليات حفر عميقة.
وبتحليل آلاف الحبيبات، لاحظ الباحثون وجود كميات مرتفعة بصورة غير معتادة من الأوليفين الغني بالحديد في المناطق المرتبطة بصخور الكمبرلايت التي تحمل ماسات كليبير.
ماذا تخبرنا القشرة المحيطية القديمة؟
قاد هذا الاكتشاف العلماء إلى فرضية تربط نشأة الماسات العملاقة بعملية إعادة تدوير جيولوجية استمرت مليارات السنين.
وتشير النتائج إلى أن بعض المواد التي ساهمت في تكوين هذه الماسات قد تكون نشأت في قشرة محيطية بازلتية قديمة، تعرضت لتغيرات كيميائية بفعل السوائل الساخنة في قاع المحيط، ثم انتقلت إلى أعماق الأرض عبر حركة الصفائح التكتونية.
وعندما تنزلق القشرة المحيطية أسفل صفيحة أخرى في عملية تعرف باسم الاندساس، تدخل إلى أعماق الوشاح وتتعرض لدرجات حرارة وضغوط هائلة.
وخلال هذه الرحلة الطويلة، يمكن للكربون الموجود في الصخور والرواسب المحيطية أن ينتقل إلى أعماق أكبر، حيث يدخل في تفاعلات كيميائية تساعد على تكوين الماس.
وبذلك، قد تمثل ماسة كليبير في نهاية المطاف نتيجة رحلة استثنائية للكربون بدأت بالقرب من سطح الأرض، ثم انتقلت إلى مئات الكيلومترات تحتها، قبل أن تعود إلى السطح بعد ملايين أو مليارات السنين.
اكتشاف قد يغير خريطة التنقيب عن الماس
لا تقتصر أهمية الدراسة على فهم تاريخ الأرض، بل قد تمتد إلى صناعة الماس والتنقيب عن مكامنه.
فالتعرف على البصمة الكيميائية المميزة للأوليفين والغارنت يمكن أن يساعد شركات التعدين والجيولوجيين على تحديد صخور الكمبرلايت الأكثر احتمالًا لاحتضان ماسات كليبير.
وهذا يعني أن عمليات البحث عن الماسات العملاقة قد تصبح أكثر اعتمادًا على المؤشرات الجيوكيميائية وأقل اعتمادًا على عمليات الاستكشاف العشوائية، ما قد يرفع كفاءة التنقيب ويخفض تكلفته.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في جنوب أفريقيا، التي تمتلك تاريخًا طويلًا في صناعة الماس، وفيها منجم كولينان الشهير الذي لا يزال ينتج أحجارًا استثنائية.
كما تشير الدراسة إلى أن مناطق في دول أفريقية مثل سيراليون وأنغولا قد تستحق مزيدًا من البحث، خصوصًا في المواقع التي تظهر فيها البصمة الكيميائية الغنية بالحديد المرتبطة بهذا النوع النادر من الماس.
أسئلة جديدة تنتظر العلماء
ورغم التقدم الذي حققته الدراسة، فإن الباحثين يؤكدون أن لغز ماسات كليبير لم يُحل بالكامل.
ولا تزال هناك أسئلة حول الآلية الدقيقة التي تتشكل بها هذه الماسات، وسبب ارتباطها بالصخور الغنية بالحديد، وأصل هذه الصخور ومدى انتشارها داخل وشاح الأرض.
ويخطط العلماء لإجراء تحليلات إضافية لنظائر ماسات كليبير والشوائب المحبوسة داخلها، إلى جانب دراسة عينات من صخور الوشاح التي تحملها صخور الكمبرلايت إلى السطح.
وقد تقود هذه الأبحاث مستقبلًا إلى بناء نموذج أكثر دقة يحدد العلاقة بين الماسات العملاقة والصخور التي احتضنتها في أعماق الأرض.
وهكذا، لا تبدو أغلى ماسات العالم مجرد أحجار كريمة نادرة، بل تتحول إلى رسائل جيولوجية عمرها مليارات السنين، تحمل في داخلها قصة حركة الكربون والصخور بين سطح الأرض وأعماقها، وربما خريطة جديدة تقود البشر إلى كنوز لم تُكتشف بعد.


