أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن اختيار الله للإنسان ليكون سببًا في خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم يُعد من أعظم النعم والمقامات الإيمانية، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خيرُ النَّاسِ أنفَعُهم للنَّاسِ".
وقال الدكتور محمد مختار جمعة، خلال لقائه بإحدى القنوات الفضائية إن من نعم الله على الإنسان أن يجعله في موضع العطاء بدلًا من الاحتياج إلى الآخرين، داعيًا إلى إدراك قيمة هذه النعمة والحفاظ عليها من خلال الشكر العملي.
وأوضح وزير الأوقاف السابق أن شكر النعمة لا يكون بالكلام فقط، وإنما ينبغي أن يكون من جنس النعمة نفسها، موضحًا أن من أنعم الله عليه بالمال يكون شكره بالإنفاق والصدقات، ومن وهبه العلم يكون شكره بتعليمه ونشره، بينما يكون شكر نعمة الصحة والقوة بمساندة الضعفاء، ويكون شكر نعمة الطب من خلال علاج المرضى ورعايتهم، مستشهدًا بقول الله تعالى: "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا".
زكاة المال وشروط وجوبها
وتطرق الدكتور محمد مختار جمعة إلى أحكام زكاة المال، مؤكدًا أنها فريضة وركن أساسي من أركان الإسلام، وتجب على من بلغ ماله النصاب ومضى عليه الحول الهجري، أي عام كامل.
وأشار إلى أن نصاب الزكاة يُقدر بقيمة 85 جرامًا من الذهب، والتي تتراوح قيمتها في الوقت الحالي بصورة تقريبية بين 400 و500 ألف جنيه، موضحًا أن مقدار الزكاة المستحقة يبلغ 2.5% سنويًا، سواء كانت الأموال في صورة نقود سائلة أو ذهب مدخر أو غير ذلك من الأموال التي تزيد على احتياجات المسكن والأصل الثابت.
علاج الفقراء من مصارف الزكاة
وشدد وزير الأوقاف السابق على أن مصارف الزكاة تشمل الاحتياجات الأساسية للفقراء، وفي مقدمتها الطعام والملبس والمسكن، إلى جانب سداد ديون الغارمين، مؤكدًا أن علاج المرضى يأتي في مقدمة هذه المصارف بإجماع أهل العلم، لأن المرض والألم لا ينتظران، كما أن تأخير العلاج قد يؤدي إلى تفاقم الحالة المرضية أو وفاة المريض.
وأوضح أن مختلف تكاليف العلاج يمكن أن تُصرف من أموال الزكاة للمرضى الفقراء، ومن بينها أجور الأطباء، والأدوية، والفحوصات، والإشعاعات، والجلسات الكيماوية، وغيرها من الاحتياجات المرتبطة بعلاج المريض ورعايته.
الزكاة والصدقات وتجهيز المستشفيات
وحول تمويل إنشاء المستشفيات وشراء الأجهزة الطبية الحديثة، أوضح الدكتور محمد مختار جمعة أن هناك تفصيلًا فقهيًا بين العلماء بشأن مصرف "في سبيل الله"، إذ يرى فريق من العلماء أن هذا السهم يمكن حمله على معناه العام ليشمل مختلف وجوه الخير، ومن بينها بناء المستشفيات وتجهيزها، بينما يرى فريق آخر أن هذا المصرف يقتصر على دعم القوات المسلحة والدفاع عن الأوطان أو طلبة العلم.
وأوضح أن الأصل في حساب الزكاة أن يوجه بصورة كاملة إلى الإنفاق المباشر على علاج المرضى الفقراء وتوفير احتياجات الرعاية الخاصة بهم، بينما يمكن توجيه أموال الصدقات إلى بناء المستشفيات وتطويرها، وشراء الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، إلى جانب أعمال الصيانة والتأسيس.
وأضاف أنه إذا كانت أموال الصدقات غير كافية، وكانت هناك حاجة شديدة داخل المستشفى إلى جهاز طبي يتوقف عليه إنقاذ حياة المرضى، فإنه يجوز في هذه الحالة الأخذ بالرأي الأيسر واستيراد الجهاز من أموال الزكاة باعتبار الضرورة.
فرض الكفاية وخدمة المحتاجين
وتحدث الدكتور محمد مختار جمعة عن مفهوم "فرض الكفاية" في الفقه الإسلامي، موضحًا أنه لا يقتصر على بعض المسائل التعبدية، وإنما يشمل صورًا متعددة من احتياجات المجتمع، من بينها إطعام كل جائع، وكسوة كل عارٍ، ومداواة كل مريض، وكفالة الأيتام، وسداد ديون الغارمين.
وأكد أن الدولة تؤدي مسؤولياتها في هذا الجانب بحسب طاقتها وإمكاناتها، إلا أن ذلك لا يلغي مسؤولية المجتمع، مشيرًا إلى أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني وأغنياء كل منطقة في التعاون والتضامن من أجل توفير احتياجات الفقراء والمرضى في مناطقهم، مستندًا إلى الحديث الشريف: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم".
الإنفاق في سبيل الله وتفريج الكرب
ولفت وزير الأوقاف السابق إلى ما يترتب على الإنفاق في سبيل الله من آثار مباركة، داعيًا إلى تحصين الأموال بالزكاة والتداوي بالصدقات، مستشهدًا بالتوجيه النبوي: "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة".
وأشار إلى أن التكافل الاجتماعي يترك أثرًا إنسانيًا كبيرًا عندما يسهم شخص في توفير قيمة الكشف الطبي أو العلاج أو التحاليل لأسرة فقيرة لا تستطيع تحمل تكلفتها، مؤكدًا أن مساعدة هؤلاء وتفريج كربهم تمثل تطبيقًا عمليًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن فرَّجَ عن مُسلِمٍ كُربةً، فرَّجَ اللَّهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ".

