تحول تطبيق ديسكورد خلال السنوات الأخيرة من منصة مخصصة في الأساس للتواصل بين لاعبي ألعاب الفيديو إلى مساحة رقمية تضم مجتمعات متنوعة للدراسة والهوايات والذكاء الاصطناعي والتواصل بين الأصدقاء، إلا أن هذا الانتشار صاحبه جدل متزايد بشأن سلامة الأطفال والمراهقين والمحتوى الذي يمكن الوصول إليه داخل بعض الخوادم.
وتشير بيانات وتقارير متعددة إلى أن طبيعة "ديسكورد" القائمة على الخوادم والمجتمعات المغلقة تمنحه خصوصية تختلف عن شبكات التواصل التقليدية، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات إضافية تتعلق بالمراقبة والإبلاغ عن المحتوى المخالف وحماية المستخدمين الأصغر سنًا.

ديسكورد.. من ألعاب الفيديو إلى المجتمعات الرقمية
تأسست منصة ديسكورد عام 2015 بهدف توفير وسيلة للتواصل بين لاعبي ألعاب الفيديو عبر المحادثات النصية والصوتية والمرئية، ومع مرور الوقت توسعت طبيعة استخدامها لتشمل مجتمعات لا ترتبط بالألعاب بشكل مباشر.
وتعتمد المنصة على ما يعرف بـ"الخوادم"، وهي مساحات رقمية يمكن أن تضم غرفًا منفصلة للمحادثات النصية أو الصوتية أو المرئية، وتختلف طبيعة كل خادم وفقًا للمجتمع الذي يديره.
وتقول شركة "ديسكورد" إن المنصة تضم أكثر من 200 مليون مستخدم نشط شهريًا، فيما تجاوز عدد المستخدمين النشطين يوميًا 90 مليونًا بنهاية عام 2025، مع استمرار الألعاب في تشكيل جانب رئيسي من نشاط المستخدمين.
28 ألف خادم بسبب مخاطر سلامة الأطفال
تكشف بيانات نقلها موقع "Statista" عن حجم البلاغات والإجراءات المرتبطة بالمحتوى الذي قد يشكل مخاطر على الأطفال داخل المنصة.
وخلال الربع الأخير من عام 2023، حذفت "ديسكورد" نحو 28 ألف خادم بسبب مخاطر تتعلق بسلامة الأطفال، بينما أبلغ المستخدمون عن نحو 1119 خادمًا للسبب نفسه.
وخلال الفترة ذاتها، حذفت المنصة نحو 12 ألفًا و516 خادمًا بسبب أنشطة غير قانونية، في حين تلقّت 619 بلاغًا من المستخدمين بشأن خوادم مرتبطة بهذا النوع من الأنشطة.
وتوضح هذه الأرقام أن أنظمة الإبلاغ والإشراف على المحتوى أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة المنصة، خاصة مع اتساع قاعدة المستخدمين وتنوع المجتمعات الموجودة عليها.
شهادات عن التحرش والابتزاز
رصدت تقارير صحفية وشهادات لمستخدمين مخاطر مختلفة داخل بعض الخوادم، من بينها التحرش والابتزاز وانتحال الشخصيات وتداول محتوى غير مناسب للقاصرين.
وقال أحد المستخدمين، وفقًا لما نشرته "المصري اليوم"، إنه شاهد خلال سنوات استخدامه للمنصة خوادم تحتوي على مواد إباحية، وأشار إلى وجود خوادم أخرى شهدت ممارسات تتعلق بالابتزاز والتهديد.
كما تحدث مستخدمون عن تعرض أشخاص للضغط لتنفيذ طلبات معينة تحت التهديد بكشف معلومات أو صور خاصة، وهي شهادات تعكس مخاطر محتملة في بعض المجتمعات الرقمية، ولا تعني بالضرورة أن هذه الممارسات منتشرة في جميع خوادم المنصة.
وتبرز هذه الشهادات أهمية التعامل بحذر مع طلبات الصداقة والرسائل الخاصة والروابط والملفات التي تصل إلى المستخدمين، خاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين.
ديسكورد وسلامة الأطفال
ارتبط الجدل حول المنصة بشكل خاص بقدرة المستخدمين على التواصل مع أشخاص لا يعرفونهم خارج العالم الرقمي، وهو ما قد يخلق مخاطر إضافية بالنسبة إلى القاصرين.
وتختلف الخوادم في طبيعتها؛ فبعضها خاص بالأصدقاء أو مجموعات صغيرة، بينما توجد خوادم عامة تضم أعدادًا كبيرة من المستخدمين، وتدور حول الألعاب أو الدراسة أو الهوايات أو اهتمامات أخرى.
وفي هذا السياق، تصبح إعدادات الخصوصية وآليات الإبلاغ عن الحسابات والمحتوى من الأدوات المهمة لتقليل المخاطر، إلى جانب دور الأسرة في توعية الأطفال بعدم مشاركة الصور أو البيانات الشخصية مع الغرباء.
دراسة تكشف خوادم لجماعات متطرفة
لم يرتبط الجدل حول "ديسكورد" بسلامة الأطفال فقط، إذ تناولت دراسة أكاديمية طبيعة استخدام المنصة من جانب جماعات متطرفة وعنصرية.
ووفقًا لورقة بحثية نُشرت في سبتمبر 2021 تحت عنوان "رسم خريطة الجانب المظلم لمنصة ديسكورد: شبكات الكراهية الموزعة على ديسكورد"، وشارك فيها القس بيرج ودانيال جرانت هيسليب من جامعة سنترال فلوريدا، جرى تحليل عينة شملت نحو 3600 خادم.
وتناولت الدراسة استخدام بعض الخوادم من جانب جماعات عنصرية متطرفة، بما يكشف أن طبيعة المنصة المفتوحة أمام إنشاء المجتمعات يمكن أن تستغل في أغراض مختلفة، بحسب طبيعة القائمين على كل خادم والقواعد المطبقة داخله.
وكانت منصة "ديسكورد" قد ارتبط اسمها في عام 2017 بمجموعات من القوميين البيض الذين استخدموا خوادم على المنصة في إطار التحضير لمسيرة "توحيد اليمين" في شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، وفق تقارير صحفية أمريكية.
لماذا يفضل الشباب ديسكورد؟
رغم المخاطر التي رصدتها بعض التقارير، فإن انتشار "ديسكورد" يرتبط أيضًا بمجموعة من الخصائص التي تجذب المستخدمين.
فالمنصة تتيح إنشاء مجتمعات متخصصة بدلًا من الاعتماد على صفحة عامة واحدة، كما تسمح بالتواصل الصوتي والمرئي والنصي داخل غرف مختلفة.
وتشير بيانات نقلها موقع "Cloudwards" إلى أن نحو 78% من مستخدمي "ديسكورد" أصبحوا من غير اللاعبين، وهو ما يعكس توسع استخدام المنصة خارج نطاق ألعاب الفيديو.
كما أصبح التطبيق مساحة لمجموعات الدراسة وتبادل المواد التعليمية، ومجتمعات المهتمين بالذكاء الاصطناعي والبرمجة والهوايات المختلفة.
الألعاب كانت بوابة الدخول
رغم توسع استخدام "ديسكورد"، لا تزال ألعاب الفيديو تمثل مدخلًا رئيسيًا إلى المنصة، خاصة بين المستخدمين الأصغر سنًا.
وتقول بيانات الشركة إن أكثر من 90% من مستخدمي "ديسكورد" يمارسون ألعاب الفيديو، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن نسبة كبيرة من مستخدمي الحاسوب الشخصي يبدأون تشغيل لعبة خلال فترة قصيرة من استخدام التطبيق.
وبالنسبة إلى كثير من الشباب، تبدأ العلاقة مع المنصة من خلال لعبة معينة، ثم تمتد لاحقًا إلى خوادم أخرى للدراسة أو التواصل الاجتماعي أو الاهتمامات المشتركة.
إجراءات جديدة لحماية المراهقين
مع اتساع استخدام المنصة بين الفئات الأصغر سنًا، أعلنت "ديسكورد" عن إجراءات جديدة تستهدف تعزيز حماية المراهقين.
وتشمل الإجراءات إعدادات افتراضية أكثر تقييدًا للمستخدمين الأصغر سنًا، والحد من وصولهم إلى المساحات المخصصة للبالغين، إضافة إلى إجراءات تتعلق بالرسائل الواردة من أشخاص مجهولين والتحذيرات المرتبطة بطلبات الصداقة.
كما بدأت المنصة في تطبيق وسائل للتحقق من الفئة العمرية في بعض الحالات، مع التوسع التدريجي في إجراءات التحقق بعدة دول.
وتقول الشركة إن المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا لا يمكنهم الوصول إلى المساحات المصنفة للبالغين، في إطار إجراءات حماية القاصرين من المحتوى غير المناسب.
حماية الأطفال مسؤولية مشتركة
يكشف الجدل حول "ديسكورد" أن طبيعة المجتمعات الرقمية الحديثة تحمل جوانب متعددة؛ فهي تتيح للشباب التواصل والتعلم وتبادل الاهتمامات، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام محتوى أو سلوكيات ضارة داخل بعض المساحات.
ولا يعني وجود مخالفات أو خوادم ضارة أن المنصة بأكملها تمثل بيئة خطرة، لكن الأرقام والشهادات والدراسات السابقة تؤكد أهمية الرقابة وآليات الإبلاغ ورفع الوعي الرقمي.
وتظل حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين المنصات وأولياء الأمور والمستخدمين، من خلال استخدام إعدادات الخصوصية، وعدم مشاركة البيانات والصور الشخصية مع الغرباء، والإبلاغ عن أي محتوى أو سلوك يمثل تهديدًا أو ابتزازًا أو استغلالًا.
كما أن توعية الأطفال والمراهقين بمخاطر التواصل مع الغرباء على الإنترنت تمثل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع المنصات التي تعتمد على المجتمعات الرقمية والخوادم الخاصة والعامة.
ومن جانبه، قال المهندس ربيع أحمد، خبير تكنولوجيا، إن الجدل المثار حول منصة "ديسكورد" يرتبط بشكل أساسي بطبيعة المنصة التي تعتمد على إنشاء خوادم ومجتمعات مغلقة، موضحًا أن هذه المساحات قد تكون مفيدة في الدراسة والألعاب والتواصل وتبادل الخبرات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى رقابة ووعي أكبر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.
وأضاف أن الأرقام المتعلقة بحذف آلاف الخوادم بسبب مخاطر على سلامة الأطفال أو أنشطة غير قانونية تعكس أهمية أنظمة المراقبة والإبلاغ داخل المنصات الرقمية، مشيرًا إلى أن وجود هذه المخاطر لا يعني أن جميع مستخدمي "ديسكورد" أو كل الخوادم الموجودة عليه تمثل خطرًا، وإنما يؤكد ضرورة التعامل بحذر مع المجتمعات الرقمية، وعدم مشاركة البيانات أو الصور الشخصية مع أشخاص غير معروفين.
وأوضح أن حماية الأطفال على المنصات الرقمية لا تعتمد على التكنولوجيا وحدها، وإنما تحتاج إلى تعاون بين الشركات وأولياء الأمور والمستخدمين، من خلال تفعيل إعدادات الخصوصية، ومتابعة طبيعة المجتمعات التي ينضم إليها الأطفال، والإبلاغ عن أي محاولات ابتزاز أو تحرش أو استغلال، إلى جانب رفع الوعي بمخاطر التواصل مع الغرباء، مؤكدًا أن الوعي الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من حماية المستخدمين في ظل توسع استخدام هذه المنصات.






