قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بلال قنديل يكتب: دوام الحال

بلال قنديل
بلال قنديل

من أكثر الأوهام التي نعيش بها اننا نظن ان الاشياء ستبقى كما عرفناها اول مرة. نطمئن الى شخص فنحسبه ثابتا، نحب فنظن ان الحب ضمان، نصادق انسانا فنمنحه مكانا لا نتخيل ان يأتي يوم فيشغله غيره. ثم تمر الايام وتكشف لنا ان الحياة لا تعرف الثبات، وان ما ظنناه دائما قد يكون اول ما يتغير.

الصديق الذي كان اقرب الناس قد يصبح غريبا، وربما خصما. ليس بالضرورة لان الصداقة كانت كذبة، ولكن لان المواقف تكشف حدود الناس. هناك علاقات تعيش ما دامت الظروف مريحة، وما دام كل طرف يحصل على ما يريد. لكن عند اول موقف يحتاج الى تنازل، يظهر الفرق بين علاقة عابرة وعلاقة حقيقية.

الصداقة الحقيقية ليست في كثرة الخروج والضحك والذكريات، بل في قدرة الانسان على تحمل صديقه عندما تتغير الظروف، وعلى التنازل عن شيء يحبه من اجل ان يحافظ على من يحبه. الصديق الحقيقي لا يحول خلافا عابرا الى عداوة، ولا يجعل من اسرار صاحبه سلاحا عندما تنتهي العلاقة. هناك من يعرف معنى العشرة، وهناك من يعرف فقط معنى المصلحة.

والزواج ليس بعيدا عن ذلك.

كم من زوجة بدأت حياة زوجها وهي اقرب الناس اليه، ثم تحولت مع الوقت الى خصم. وكم من رجل كان في البداية سندا ورفيقا، ثم اصبح غريبا داخل بيته. في البدايات تكون التنازلات سهلة، والمشاعر قوية، وكل طرف يرى اجمل ما في الاخر. لكن الزواج الحقيقي يبدأ عندما تهدأ البدايات، وتظهر المسؤوليات، وتطفو الاختلافات على السطح.

هناك تظهر قيمة العشرة. من يحفظ كرامة شريكه وقت الغضب، ومن يتذكر السنوات الجميلة عندما تشتد الخلافات، ومن يعرف ان كلمة قاسية قد تهدم سنوات من المودة. العلاقة لا يحميها الحب وحده، بل يحميها الاحترام والرحمة والقدرة على تجاوز ما يمكن تجاوزه.

حتى الابناء يتغيرون. يكبرون، وتتشكل لهم حياتهم الخاصة، وقد يبتعدون بحكم الحياة لا بحكم الجحود. ومن الخطأ ان نجعل سعادتنا كلها مرتبطة ببقاء الاشخاص كما نريدهم، لان الحياة بطبيعتها تأخذ كل شيء من مرحلة الى مرحلة.

وهذا ينطبق على كل شيء.

المال يتغير، الصحة تتبدل، العمل قد ينتهي، والمكانة قد تزول. حتى نحن لسنا الاشخاص الذين كناهم قبل سنوات. تتغير افكارنا واولوياتنا واحلامنا، وقد نكتشف بعد وقت ان اشياء كنا نظنها نهاية العالم لم تكن تستحق كل هذا التعلق.

لذلك لا تبالغ في اي علاقة.

احب الناس، وكن وفيا، واعط من قلبك، لكن لا تجعل انسانا اكبر من الحياة نفسها. لا تسلم كل امانك لشخص، ولا تجعل وجوده شرطا لاستمرارك. العلاقات جزء من الحياة وليست الحياة كلها.

وفي النهاية، الايام وحدها قادرة على فرز الناس.

في الرخاء يكثر الاصدقاء، وفي النجاح تزدحم حولك الوجوه، وفي لحظات الفرح يبدو الجميع محبا وقريبا. لكن عندما تضيق الدنيا، وتصبح العشرة بحاجة الى صبر، والتسامح بحاجة الى تنازل، والوفاء بحاجة الى موقف، تختفي الاقنعة ويبقى القليل.

هناك فقط تعرف قيمة من بقي، وقيمة من تنازل، وقيمة من حفظ لك مكانتك رغم الخلاف.

فدوام الحال من المحال.

لا صديق يبقى بالضرورة، ولا حب يضمنه الزمن، ولا زواج ينجو من التغير دون ان يحميه الطرفان، ولا ابناء يظلون كما كانوا في طفولتهم، ولا حياة تستقر على صورة واحدة.

ولهذا لا تجعل تعلقك بالناس اكبر من قدرتك على تقبل تغيرهم.

عش كل علاقة بصدق، لكن لا تتشبث بها حتى تفقد نفسك. احب، لكن اترك في قلبك مساحة للحياة عندما تتغير. اعط، لكن لا تنتظر ان يرد لك الاخرون ما اعطيته بنفس الصورة.

وفي اخر الطريق، لن تكون اعظم خساراتنا ان بعض الناس رحلوا، بل اننا احيانا منحناهم مكانا اكبر من حقيقتهم.

وسنعرف متأخرين ان بعض العلاقات لم تكن تستحق كل هذا التعلق، وان بعض الوجوه التي ظنناها باقية كانت مجرد محطة، وان من يستحق البقاء حقا ليس من وعدنا انه لن يرحل، بل من اثبت في اصعب الايام ان العشرة عنده اغلى من الخلاف، وان الانسان عنده اهم من الموقف.

فلا تراهن على دوام الحال، ولا على ثبات الناس.

راهن على اخلاقك، وعلى صدقك، وعلى قدرتك ان تحب دون ان تفقد نفسك، وان ترحل دون ان تتحول الى عدو، وان تحفظ الجميل حتى بعد ان تنتهي الحكاية.

لان اجمل ما يمكن ان يتركه الانسان خلفه ليس عدد العلاقات التي عاشها، بل نظافة قلبه بعد ان انتهت كل العلاقات.