ورد أن السكينة هي حال يفيضها الله على قلوب المؤمنين في مواضع الشدة والاضطراب، فتمنحهم ثباتًا ويقينًا، وقد ورد ذكرها في القرآن في مواقف عظيمة كالهجرة والحديبية وحنين، وقد عدّها العلماء والصوفية من أعظم المنح الإلهية.
وقد ورد أن هناك عدة أشياء إذا فعلها المُسلم، يمنحه الله سبحانه وتعالى السكينة والهدوء داخل بيته، وهي «الرضا بقضاء الله وقدره خيره وشره، الإيمان به، وحُسن التوكل عليه»، إلا أن الله سبحانه وتعالى لا يُلقي السكينة إلا على القلوب المؤمنة، التي تنام وهي تُسلم أمرها لله عز وجل.
وقال تعالى: «فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا» الآية 18 من سورة الفتح، منوهًا بأن الله عز وجل لا يُلقي السكينة على القلوب التي تُدبر لغيرها المكائد، وتُخطط للشر، ولا ترضى بما قسم الله لها.
آيات السكينة في القرآن الكريم
تضمنت سورة البقرة على آية تدل على السكينة وهي في قول الله -تعالى-: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وتضمنت سورة التوبة على آيات تدل على السكينة وهي: قال -تعالى-: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
وقال -تعالى- في سورة التوبة: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ).
وتضمنت سورة الفتح على آيات تدل على السكينة ، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).
و قال -تعالى-: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)، و قال -تعالى-: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
مفهوم السكينة
لغةً: فعيلة من السكون، ومن معانيها: الطمأنينة، والاستقرار، والهدوء، والوداعة، والأمن، والرزانة، والوقار.
واصطلاحًا: فقد أخبر الله عز وجل في القرآن الكريم عن إنزالها على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رؤوسهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، وكيوم الحديبية، حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحتملها النفوس.
أثر السكينة على القلب
وورد من مواريث هذه السكينة أنها إذا نزلت على القلب أو نزلت فيه فإنه يطمئن بها، ويزول عنه ما يجده من الهم والحزن أو ما يشعر به من الاضطراب والخوف والفزع، وفي ذلك يقول الله تعالى: {لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا} [الفتح: ١٨].
ويزداد إيمانا وثقة ويقينا بهذه السكينة التي تتنزل على القلب ، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا} [الفتح: ٤].
ويؤدى ذلك كله إلى انشراح القلب وانفساحه، ويصبح مهيأً لنزول الإلهامات الإلهية عليه، فيلهمه الله الحق والفرقان، ويمتلئ القلب حكمة ونورًا، وينطق لسانه بالخير والصواب، وقد وصف بمثل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال عنه علي بن أبى طالب رضي الله عنه: "وما نبعد أنَّ السكينةَ تنطقُ على لسانِ عمرَ رضي اللهُ عنه" [مسند أحمد ٦/ ١١].
وجاء أن عمر هو الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه: «لقَدْ كانَ فِيما قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فإنْ يَكُ في أُمَّتي أحَدٌ، فإنَّه عُمَرُ» [صحيح الإمام البخاري ٤/ ٢٠٠]، وكذلك قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ جعل الحقَّ على لسانِ عُمَرَ وقلْبِه» [مسند أحمد ٢/ ٥٣].
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوصى بالسكينة، وخاصة في المواطن التي تتطلب حضور القلب وخشوعه، وجمع الخواطر والهمة، كالذهاب إلى الصلاة، وعند أداء مناسك الحج، والقيام بأعباء الجهاد، ونحو ذلك من العبادات.
وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن السكينة تتنزل عند قراءة القرآن والاجتماع على مدارسته، كما ذكر أنها من أعظم هداي الله تعالى إلى عبده المؤمن، ومما جاء في ذلك قوله: «مَا ازْدَادَ عَبْدٌ عِلْمًا إِلَّا ازْدَادَ قَصْدًا، وَلَا قَلَّدَ اللَّهُ عَبْدًا قِلَادَةً خَيْرًا مِنْ سَكِينَةٍ» [سنن الدرامي: ١/ ١٠٧].

