قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

جولة السيسي التاريخية بسول وكوالالمبور وجاكرتا ترسخ مكانة مصر كحلقة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا

جولة السيسي التاريخية بسول وكوالالمبور وجاكرتا ترسخ مكانة مصر كحلقة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا
جولة السيسي التاريخية بسول وكوالالمبور وجاكرتا ترسخ مكانة مصر كحلقة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا

في لحظة دبلوماسية شهدت فيها العاصمتان الكورية الجنوبية سول، والماليزية كوالالمبور، ثم الإندونيسية جاكرتا، اهتماما غير مسبوق، اختتم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي جولة آسيوية موسعة حملت في طياتها رسائل مضاعفة، مفاداها أن مصر لم تعد مجرد شريك تقليدي للقارة الآسيوية، بل قاعدة استراتيجية لا غنى عنها في أي معادلة اقتصادية أو جيوسياسية تمتد من شرق آسيا إلى حوض البحر المتوسط وإفريقيا.

واستمرت الجولة التي انطلقت في السادس من أكتوبر الجاري أسبوعا كاملا، وجاءت في توقيت شديد الحساسية، فبينما تعصف الاضطرابات بالمنظومة الاقتصادية العالمية وتتشابك أزمات الطاقة والسلاسل الإنتاجية، اتجه الرئيس السيسي شرقا بحثا عن شراكات تحويلية تنقل الاقتصاد المصري إلى مرحلة جديدة، وتستثمر في مكانة مصر الجغرافية والسياسية التي لا يملكها غيرها في المنطقة. واستُقبل الرئيس في المحطات الثلاث بمراسم تليق برؤساء الدول الكبرى، من مرافقة طائرات المقاتلة، وحراس الشرف، إلى مدافع الإطلاق، واحتفالات القصور الرئاسية، في مشاهد عكست حجم التقدير الدولي لمكانته ودور مصر على المستوى الدولي.

محطة كوريا الجنوبية.. شراكة استراتيجية و12 اتفاقية

وصل الرئيس السيسي إلى قاعدة سول الجوية مساء الثلاثاء الماضي في مستهل زيارته إلى جمهورية كوريا الجنوبية، وهي الزيارة الثانية له إلى هذا البلد الصناعي الكبير، وكان في استقباله مسؤولون كوريون رفيعو المستوى، في إشارة مبكرة إلى الطابع الاقتصادي الذي أرادت سول إكسابه للقاء.

وقد توجت الزيارة بقمة رسمية مع الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، عقدت خلالها مراسم استقبال رسمية كاملة وجلسات مباحثات ضمت كبرى الشركات الكورية، ثم وليمة غداء دولة، في مشهد وصفته الصحف الآسيوية بأنه ثاني لقاء يجمع الرئيسين خلال وقت قصير، بعد لقاء سابق في القاهرة.

وأسفرت المباحثات عن حصيلة تعد من الأغنى في تاريخ العلاقات المصرية الكورية الجنوبية؛ إذ شهد الرئيسان التوقيع على 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والصناعة وسلاسل الإمداد، مع إطلاق مفاوضات رسمية لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين البلدين، واختتمت الزيارة باعتماد بيان مشترك يرسخ شراكة استراتيجية كاملة بين البلدين، إلى جانب انعقاد أول حوار استراتيجي مصري كوري جنوبي، واتفاق لدعم جهات الإغاثة في قطاع غزة.

وتركزت مجالات التعاون المعلنة على الصناعات الميكانيكية المتقدمة ومشروعات الطاقة ومنطقة قناة السويس الاقتصادية، فيما وصف الجانب الكوري مصر بأنها مركز لوجستي دولي يربط أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وهو وصف يلخص الدور الذي تسعى سول إلى ترسيخه لمصر في مخططاتها للسوق الإفريقية والشرق أوسطية.

محطة ماليزيا.. استقبال القصر الوطني وتبادل مذكرات التفاهم

وانتقل الرئيس السيسي إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور في الزيارة الثانية من الجولة؛ حيث كان في استقباله بمطارها الدولي رئيس الوزراء أنور إبراهيم بنفسه، مصحوبا بوزير الدفاع الماليزي وكبار مسؤولي البروتوكول وسفيري البلدين.

وعقب وصوله، أجرى الرئيس السيسي لقاء ملكيا بجلالة الملك السلطان إبراهيم في القصر الوطني إستانا نيجارا؛ وذلك وسط مراسم استقبال رسمية كاملة، قبل أن يعقد جلسة مباحثات موسعة مع رئيس الوزراء أنور إبراهيم في مقر رئاسة الوزراء.

وفي ختام المباحثات، شهد الرئيسان تبادل عدد من مذكرات التفاهم في مجالات التعاون المشترك، جاءت في سياق مسار بدأ قبل عامين بشأن الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية، وتزامنت الزيارة مع ذكرى مرور خمسة وستين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهي مناسبة أكد الجانبان خلالها إرادتهما على استعادة زخم العلاقات وتعويض ما فات من فرص.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي نحو 718 مليون دولار في مستوى قياسي حتى الآن، فيما أطلق الجانب الماليزي مشروعا لتجميع سيارات البروتون على الأراضي المصرية، يستهدف تحويلها إلى مركز إقليمي للشركة بمنطقة شمال إفريقيا.

محطة إندونيسيا.. حفل قصر الاستقلال وشراكة عملاقة

وفي ختام الجولة، وصل الرئيس السيسي إلى قاعدة حليم العسكرية في العاصمة الإندونيسية جاكرتا؛ حيث كان في استقباله وزير الشئون الدينية الإندونيسي وسفير مصر لدى جاكرتا.

وفي اليوم التالي، شهد الرئيس السيسي أبرز مشاهد الجولة كلها؛ إذ حياه الرئيس الإندونيسي بروبو سوبيانتو بمراسم استقبال رسمية كبرى في قصر الاستقلال بجاكرتا، تضمنت استعراض حرس الشرف وعزف الموسيقى العسكرية السلامين الوطنيين للبلدين، في احتفاء عكس مكانة مصر وأهمية الضيف الذي حل على قلب أضخم دولة إسلامية من حيث عدد السكان.

وعقدت على هامش الزيارة جلسة مباحثات ثنائية تلتها جلسة موسعة بحضور وفدي البلدين، شهد الرئيسان خلالها مراسم التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم تغطي مجالات التعاون التجاري والزراعي والصناعي والسياحي، في ترسيخ للشراكة الاستراتيجية التي أقيمت رسميا بين البلدين في أبريل 2025، مع استعداد الجانبين لاستكمال اتفاقيات إضافية في مجالات التأشيرات والثروة السمكية والإحصاء.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي نحو 2.38 مليار دولار، فيما تبادلت البلدان مقترحات لمشروعات مشتركة في صناعة الملابس الجاهزة والتجارة الزراعية.

رسائل للشأن الدولي.. تصريحات رسمت ملامح الحضور المصري في آسيا

ولم تقتصر الجولة على نجاحات ملفات التعاون الاقتصادي فقط، بل تضمنت تصريحات رئاسية كثيفة رسمت ملامح الرؤية المصرية للشأن الدولي، ونقلتها الصحف ووسائل الآسيوية والعالمية، بوصفها أبرز ما خرجت به الزيارات من مواقف.

ففي العاصمة الكورية سول، وخلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس لي جاي ميونغ، جدد الرئيس السيسي مواقف مصر الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، مؤكدا ضرورة تحقيق التسوية العادلة والشاملة وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، بما يشمل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، من أجل تحقيق السلام الدائم بالمنطقة، معربا عن تطلع مصر لاعتراف المزيد من الدول بالدولة الفلسطينية.

وشدد على الرفض الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني، ورفض التصعيد الإسرائيلي الخطير للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما جدد تقديره للمشاركة الكورية الفاعلة مستقبلا في إعادة إعمار قطاع غزة، مشددا في الوقت نفسه على أن قضية مياه النيل، قضية وجودية لشعب يمثل النيل شريان حياته لأكثر من مائة مليون مصري، مؤكدا دعم مصر للتنمية في دول حوض النيل مع رفضها الإجراءات الأحادية التي تنتهك مبدأ عدم الإضرار وتمس حقوقها المائية.

وفي ذات الكلمة أرسى الرئيس السيسي رسالة أمنية حاسمة بشأن إقليم البحر الأحمر والقرن الإفريقي؛ إذ أكد أن سياسة مصر الرافضة لأي إجراءات تهدف لخلق ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة ووحدتها وسلامة أراضيها، مشددا على أن مسؤولية أمن البحر الأحمر وحوكمة شئونه تقع حصريا على عاتق الدول المشاطئة له.

كما أرسل الرئيس السيسي رسالة عن النظام الدولي ذاته، حين قال إن الشراكة المصرية الكورية الجنوبية، تسهم في دعم الاستقرار والأمن الدوليين والحفاظ على أسس النظام الدولي القائم على مبادئ وأحكام القانون الدولي، مستعرضا الجهود المصرية الحثيثة لاستعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وضمان حرية وسلامة الملاحة في الممرات البحرية الدولية، ومنع تفاقم الأزمات الحالية وامتدادها لساحات أخرى، في إشارة إلى التوافق الكوري حول أهمية تعزيز ثقافة السلام في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية معا.

وفي العاصمة الماليزية كوالالمبور، جدد الرئيس السيسي رسائله الإقليمية خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء أنور إبراهيم؛ حيث أفاد بأنه تم الاتفاق مع الجانب الماليزي على أهمية خفض التصعيد في المنطقة وتغليب الحلول الدبلوماسية، مشددا على أهمية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة لأزمات المنطقة، ولافتا إلى أن المسار الدبلوماسي واحترام القانون الدولي، أفضل السبل لمعالجة الأزمات.

وأشاد في نفس السياق بموقف ماليزيا الداعم للقضية الفلسطينية، مؤكدا ضرورة التسوية العادلة والشاملة وفقا لمبدأ حل الدولتين، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الماليزي بدوره بإشادته بمواقف الرئيس السيسي تجاه بلاده، وفيما قدمته مصر للفلسطينيين وهو ما قال إن ماليزيا تفخر به.

أما في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، فقد حملت كلمة الرئيس السيسي طابعا اقتصاديا محددا بوصفه رسالة دولية في حد ذاته، حين أعلن استهداف رفع حجم التبادل التجاري مع إندونيسيا إلى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2030، في إشارة إلى أن شرق آسيا بات مرتكزا محوريا في خريطة التجارة المصرية، وأن مصر تنظر إلى الشريك الآسيوي بوصفه رافعة حقيقية لتنويع محيطها الاقتصادي.

تحليل.. ماذا تحصد مصر من النمور الآسيوية

وتحمل حصيلة الجولة في طياتها مردودا اقتصاديا يلامس مباشرة الأولويات الوطنية المصرية في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد، فتمثل الاتفاقيات الموقعة مع كوريا الجنوبية، وهي أحد أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم ومركز رئيسي لأشباه الموصلات والسيارات والبناء البحري، رافعة استثمارية مباشرة، خصوصا أن الشركات الكورية نظرت إلى مصر بوصفها بوابة إلى الأسواق الإفريقية، وهو ما يتناغم مع توجهات ماليزيا التي سبقتها في إطلاق تجميع السيارات على الأراضي المصرية.

ويؤكد وصف كوريا الجنوبية لمصر بأنها مركز لوجستي دولي رابط بين ثلاث قارات، أن التصنيع والتجميع داخل مصر لم يعد هدفا للسوق المصرية وحدها، بل منصة تصديرية نحو إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بما يخدم مباشرة المشروعات الصناعية واللوجستية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ولم تكن الجولة الآسيوية للرئيس السيسي مجرد سلسلة من الزيارات الدبلوماسية المعتادة، بل كانت إعلانا عمليا عن مرحلة جديدة في السياسة الخارجية المصرية، تتجه فيها أنظار القاهرة شرقا بثقة وأدوات محددة، فمن سول التي رفعت العلاقات مع مصر إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية ومولت طموحاتها بإثنتي عشرة اتفاقية، إلى كوالالمبور التي استقبلت الرئيس بمهابة القصر الوطني، وصولا إلى جاكرتا التي حيت الضيف المصري بمراسم قصر الاستقلال الكبرى، ظهرت صورة مصر ويتنافس عليها الشرق الآسيوي بوصفها الشريك الأقرب والأكثر قدرة على خدمة مصالحه في قلب العالم العربي وإفريقيا.

وتؤكد زيارات الرئيس السيسي الثلاث، الرسالة التي خرجت بها القاهرة من الجولة بكل وضوح وبلا التباس، وهي أن مصر حاضرة في الحسابات الآسيوية الكبرى، والشرق الآسيوي بدوره حاضر بقوة في معادلة المستقبل المصري.