تتصاعد التساؤلات بشأن شحنة المتفجرات التي ضبطها الجيش اللبناني عند حاجز ضهر البيدر في منطقة البقاع شرقي لبنان، في ظل تحقيقات تستهدف كشف مسارات نقل الحمولة والجهات المتورطة في تهريبها، بالتزامن مع إعلان الجيش ضبط نحو 200 كيلوجرام من المواد المتفجرة في منطقة القصر - الهرمل، كانت معدة للتهريب من سوريا إلى لبنان.
وتأتي التطورات وسط تحركات أمنية لبنانية سورية لملاحقة المشتبه في تورطهم بعمليات التهريب، بعدما أشارت معلومات متداولة إلى فرار أشخاص مرتبطين بالعملية إلى داخل الأراضي السورية. كما انتقلت التحقيقات في قضية شاحنة المتفجرات إلى مخابرات الجيش اللبناني، بهدف التوسع في فحص ملابساتها وتحديد المسؤوليات.
_825_041138.jpg)
تحقيقات موسعة في شحنة المتفجرات
كان ملف شاحنة المتفجرات في عهدة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، الذي استمع إلى موقوفين اثنين كانا على متن الشاحنة، وأقرا، وفق المعلومات المتداولة، بانتمائهما إلى حزب الله.
وفي تطور لاحق، أُحيلت التحقيقات إلى مخابرات الجيش اللبناني لاستكمال الإجراءات الأمنية والتحقيقية، في خطوة تستهدف تحديد مصدر الشحنة والجهات التي تولت نقلها، إلى جانب معرفة وجهتها النهائية والغرض من استخدامها.
ولا تزال ملابسات القضية قيد الفحص، فيما تتواصل المتابعات الأمنية والتنسيق بين لبنان وسوريا لتعقب المشتبه فيهم، في ظل مخاوف من استمرار محاولات نقل مواد متفجرة عبر الحدود.
ما طبيعة المتفجرات المضبوطة؟
نقل تقرير إعلامي عن مصدر عسكري ترجيحات بأن تكون شحنة ضهر البيدر معدة للاستخدام في أكثر من اتجاه، استنادًا إلى طبيعة المواد التي عُثر عليها داخل الشاحنة.
وبحسب المصدر، فإن وجود المسامير والكرات الحديدية ضمن الحمولة قد يشير إلى احتمال استخدامها في هجمات تستهدف القوات الإسرائيلية، خصوصًا في المناطق التي تشهد عمليات تفخيخ للمنازل والأحياء، وفق تقديره.
كما رجح المصدر أن تكون المواد شديدة الانفجار، ومنها مادتا "TNT" و"C4"، معدة للاستخدام في عمليات اغتيال داخل الأراضي اللبنانية. وتظل هذه السيناريوهات في إطار التقديرات المنقولة عن المصدر العسكري، ولم تُعرض باعتبارها نتائج نهائية للتحقيقات المعلنة.
وكشف المصدر أن الجيش اللبناني ضبط خلال الأسابيع الأخيرة نحو طن من المتفجرات التي وصلت من الحدود السورية، وتحديدًا في منطقة الهرمل الحدودية، مشيرًا إلى أن شحنة ضهر البيدر جاءت ضمن الكميات المضبوطة.
«البريد الميت».. كيف تتم عمليات التسليم؟
من بين التفاصيل التي أوردها المصدر العسكري، اعتماد بعض عمليات تسليم المتفجرات على أسلوب يُعرف باسم "البريد الميت"، وهو آلية تقوم على ترك الحمولة في نقطة متفق عليها مسبقًا، من دون لقاء مباشر بالضرورة بين الأطراف المشاركة في نقلها.
ووفق المعلومات المتداولة، قد لا يعرف كل طرف هوية بقية المشاركين أو الوجهة النهائية للشحنة، وهو ما يصعّب تتبع شبكة التهريب وتحديد المسؤوليات، خاصة عندما يغادر الأشخاص المكلفون بالنقل الموقع فور ترك الحمولة.
وتشير هذه الآلية، بحسب المصدر، إلى أن عملية نقل المتفجرات قد تمر بمراحل متعددة، تتوزع خلالها المهام بين أشخاص يتولون التسليم والنقل والتخزين، بما يزيد من تعقيد التحقيقات الأمنية.
مخازن في البقاع قبل نقل الشحنات
وأوضح المصدر العسكري أن بعض شحنات المتفجرات لا تنتقل مباشرة من الحدود السورية إلى وجهتها داخل لبنان، بل تمر أولًا بمخازن في منطقة البقاع، قبل إعادة نقلها إلى مناطق أخرى.
وبحسب المعلومات المتعلقة بشحنة ضهر البيدر، نُقلت محتوياتها إلى أحد المخازن في البقاع قبل تحريكها لاحقًا إلى الداخل اللبناني، ما يفتح مسارًا إضافيًا للتحقيق بشأن أماكن التخزين والأشخاص الذين تولوا إدارة عملية النقل.
وتسعى التحقيقات إلى تحديد المحطات التي مرت بها الشحنة، والكشف عن أي صلات محتملة بين الأشخاص الموقوفين وبقية المتورطين المفترضين، دون أن يعني ذلك ثبوت مسؤولية جميع الأطراف التي قد تظهر أسماؤها خلال الفحص الأمني.
تشديد الرقابة على الحدود اللبنانية السورية
وأكد المصدر العسكري في تصريحات لـ وكالة أنباء فرانس برس، أن الجيش اللبناني كثّف إجراءاته لمراقبة الحدود مع سوريا عقب ضبط شحنات المتفجرات خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى وجود تعاون بين الجانبين اللبناني والسوري للحد من عمليات التهريب وتعقب المتورطين.
وأعادت قضية شاحنة ضهر البيدر طرح تساؤلات بشأن احتمال وجود شحنات أخرى لم تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبطها، ومدى نجاح بعض عمليات التهريب في إيصال حمولاتها إلى وجهاتها المقصودة.
وترتبط هذه المخاوف بتعقيدات الحدود اللبنانية السورية، التي شهدت في مراحل سابقة مسارات لنقل الأسلحة والإمدادات ضمن خطوط إقليمية امتدت بين طهران ودمشق وبيروت، وفق ما أورده التقرير بشأن خلفية القضية.
تداعيات إقليمية ومسارات الإمداد
وأشار المصدر العسكري إلى أن المنافذ التي كان يستخدمها عناصر من الحرس الثوري الإيراني للوصول إلى لبنان أصبحت، بحسب قوله، مغلقة بالكامل، بعدما كانت حركة العبور تتم عبر المسار البري بين طهران ودمشق وبيروت، أو من خلال مطار بيروت.
ومن جانبه، قال المحلل السياسي أحمد العناني أن ضبط شاحنة المتفجرات في لبنان يكشف عن تحديات أمنية متزايدة تتعلق بتهريب المواد شديدة الانفجار عبر الحدود السورية اللبنانية، خاصة مع ضبط كميات أخرى خلال الأسابيع الأخيرة، ما يستدعي تكثيف الرقابة والتحقيقات لكشف الشبكات المتورطة.
ويشير العناني في تصريحات لـ “صدى البلد”، إلى أن تحويل التحقيقات إلى مخابرات الجيش اللبناني يعكس أهمية تحديد مصدر الشحنة ومسار انتقالها والجهة التي كانت ستتسلمها، مع ضرورة التعامل بحذر مع المعلومات المتداولة بشأن انتماءات الموقوفين أو الأهداف المحتملة للمتفجرات، لحين إعلان نتائج رسمية تؤكد هذه التفاصيل.
ويضيف أن القضية تتجاوز ضبط شحنة واحدة، إذ تطرح تساؤلات بشأن أمن الحدود ومسارات الإمداد في المنطقة، ومدى قدرة التنسيق اللبناني السوري على تفكيك شبكات التهريب ومنع تكرارها، مؤكدًا أن نتائج التحقيقات ستظل العامل الحاسم في تحديد المسؤوليات وكشف ملابسات الواقعة.







