محمد مصدق.. رجل ألهم عبد الناصر وانقلبت عليه أمريكا وبريطانيا

"قبل 65 عاما، أطاحت الولايات المتحدة بحكومة د.مصدق الديمقراطية المنتخبة من قبل الشعب، واستعادت الديكتاتورية التي أخضعت الإيرانيين على مدى السنوات الخمس والعشرين التالية".
هكذا أحيا وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ذكرى إنقلاب الـ19 من أغسطس عام 1953، أو ما يطلق عليه الإيرانيون "إنقلاب 28 مرداد"، والذي كان نقطة الإنطلاق لأحد أكبر التحولات السياسية في تاريخ إيران، ألا وهو ثورة الخميني عام 1979.
في كتابه "مدافع آية الله"، أشار الأستاذ الراحل، محمد حسنين هيكل، الذي كان يوثق قصة الثورة الإيرانية، إلى دور الولايات المتحدة وبريطانيا في الانقلاب على حكومة مصدق.
قال هيكل إن ثورة 1979 "كانت آخر فصل في عملية تاريخية طويلة تعود جذورها إلى الميراث القومي والديني للشعب الإيراني، تفجرت ثم أخمدت، أثناء الأزمة التي نجمت عن قيام الدكتور، محمد مصدق، بتأميم صناعة البترول عام 1950-1953، وعند ذلك أخذت شكلا سريا إلى أن انفجرت بشكل نهائي عام 1978-1979".
وأضاف "أصبح رئيسا للوزراء في 19 أبريل 1951، وصدر قانون التأميم في 30 أبريل". نتج عن ذلك القرار نزاعا بين بريطانيا وإيران، وقدمت الأولى القضية إلى محكمة العدل الدولية مرتين، حتى قررت حكومة مصدق قطع العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا.
وفي سياق الأزمة قامت ثورة يوليو 1952 في مصر التي رفضت التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا آنذاك، وقررت الانضمام إلى المعسكر الإيراني بقيادة صادقي، الذي كانت تسير حكومته عكس تيار الشاه الذي كان خاضعا بشكل كامل للولايات المتحدة.
ونقل عن الكاتب كيرميت روزفلت قوله في كتابه "الانقلاب المضاد" إنه باعتباره ممثلا لوكالة المخابرات المركزية الامريكية، فقد كان على اتصال بالعناصر المضادة لمصدق في طهران في وقت مبكر في أواخر الأربعينيات، وحتى قبل أن يتولى مصدق رئاسة الحكومة، واستمر في مراقبة الموقف من خلال زياراته المتقطعة لطهران، حتى فاتحه ممثلو شركة البترول "الأنجلو إيرانية" في موضوع الانقلاب بنوفمبر 1952، وأرادوا أن تتم الإطاحة بمصدق في أسرع ما يمكن، وأبدى روزفلت تعاطفه لدراسة خطط التخريب التي أعدتها الشركة، لا أن يأخذ بها.
وأوضح هيكل أن الأمريكيين والشركة كانوا يرغبون في التخلص من مصدق لأسباب مختلفة فالشركة كانت تريد استعادة امتيازاتها، والتمكن من البدء في إنتاج البترول مرة أخرى، لكن كان الأمريكيون يخشون ما أسماه روزفلت بالتهديد السوفيتي للاستيلاء على إيران.
وكان الخوف هو مانع بريطانيا الوحيد من ترتيب الانقلاب المضاد، من رد فعل عنيف للدب الروسي.
ونجح روزفلت في إقناع مسؤولي الحكومة الامريكية أنه حينما تصل الأمور إلى حد المواجهة بين الشاه ومصدق، فإن الجيش والشعب سيقفون إلى جانب الشاه. وعلى الرغم من الهفوات التي كانت قد تتسبب في إحداث كارثة، مما اضطر الشاه والإمبراطورة غلى البحث عن ملجأ مؤقت في روما، نجح الإنقلاب المضاد، وعين الجنرال زاهدي رئيسا للوزراء بدلا من مصدق.
وفي الـ4 من سبتمبر قدم روزفلت تقريرا عن عمليه آجاكس في البيت الأبيض وعزا به نجاح عملية الانقلاب إلى صحة تحليلات الوكالة المركزية للمخابرات.
وبحلول 22 أغسطس عام 1952 كان الانقلاب المضاد قد انتهى، (بإجراء استفتاء مزور لحل البرلمان)، ورجع الشاه إلى قصره واعتقل بعض مؤيدي مصدق، واستطاع مصدق الاختباء بمنزل أحد أصدقائه لمدة يومين لكنه عندما سمع الأمر بالقبض عليه من خلال الإذاعة، قرر الذهاب إلى قسم البوليس وسلم نفسه. وكانت قوات الجيش والبوليس الموالية للشاه، تعقد محاكمات فورية لأي شخص يشك في أنه من مؤيدي مصدق، وقتل مئات من الطلبة واليساريين رميا بالرصاص. وتحولت السلطة إلى يد السفارة الأمريكية.
مكث مصدق السجن لمدة 3 سنوات ثم أطلق سراحه، إلا أنه استمر رهن الإقامة الجبرية حتى توفى عام 1967.
كان من المعروف أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر من مؤيدي ثورة الخميني عام 1979، وذلك بسبب خلافه مع الشاه الإيراني التابع لأمريكا، كما كان تأميم مصدق للنفط ملهما لقرار عبد الناصر بتأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956. وتم تسمية أحد شوارع حي الدقي باسمه "شارع مصدق" في أواخر السبعينيات.
وأثبتت الوثائق التي نشرتها المخابرات الأمريكية "CIA" عام 2013 صحة رواية هيكل وتورط الولايات المتحدة وبريطانيا في انقلاب 1935.
وربما أراد التاريخ أن يتكرر ولكن مع كثير من الاختلافات، حيث ترغب الولايات المتحدة اليوم في الإطاحة بالنظام الإيراني، ويحاول النظام الإيراني الظهور بمظهر البطل ويؤكد اليوم أن ما حدث لن يتكرر. المختلف بالأمر أن الشعب الإيراني يرغب في الإطاحة بنظامه الفاشي الذي أفقره في سبيل دعم الإرهاب، لكنه لا يزال يهتف "الموت لأمريكا".