ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

الاستيلاء على تراث الوطنية والحداثة المصرية

إبراهيم الشهابي

إبراهيم الشهابي

السبت 05/يناير/2019 - 10:19 ص
لم تكن الحركة الوطنية المصرية ضد الاستعمار ذات مرجعية ليبرالية، ولم تكن حركة التحديث والتطوير في مصر في القرنين التاسع عشر والعشرين، أكثر من حركة اجتماعية تستهدف الاستقلال عن الاستعمار والانتقال بالمجتمع من مجتمع الإقطاع الذي ينتمي إلى القرون الوسطى إلى مجتمع أكثر تقدمًا، فى مواجهة ما فرضه الاستعمار من سيطرة على الاقتصاد الوطني؛ حرم الرأسمالية مالية المصرية من أن تنمو لصالح التوكيلات الأجنبية، وكذلك التدخلات السافرة في النظام السياسي باعتباره قوة احتلال تتحكم في مجريات الأحداث.
  
مُفردات كالحرية كانت تعني لدى المصريين الاستقلال عن الاستعمار بمفهوم حق الأمة المصرية في الاستقلال وتقرير المصير.. وليس بمفهوم الحرية الفردية وفق نمط الليبرالية. 

كان المصريون يفهمون معنى الليبرالية بفكرة التنوير، وليس كعقيدة تصطدم مع عاداتهم وتقاليدهم وطبيعتهم المصرية المحافظة. 

لم يكن قاسم أمين ليبراليًا عندما دعا إلى تحرير المرأة، فالرجل حين أطلق دعوته كان صادقًا في تحرير المرأة ضمن إطار المجتمع المصري وعاداته وتقاليده، والاستفادة منها في مجالات العمل والإنتاج وحتى تصبح قوة دفع اجتماعي حقيقية.. وليس وفق النمط الحقوقي الذى ينشئ حالة صراع حول المرأة أكثر مما يضيف لها من حقوق.

وقد وصل قاسم أمين قبل وفاته إلى تقييم موضوعي لفكرته في مقال لجريدة "الطاهر" عام 1906 قال فيه "لقد كنت أدعو المصريين قبل الآن إلى اقتفاء أثر الترك بل الإفرنج في ( تحرير نسائهم ) وغاليت في هذا المعنى حتى دعوتهم إلى تمزيق الحجاب وإشراك المرأة في كل أعمالهم ومآدبهم وولائمهم ولكن.. أدركت الآن خطر هذه الدعوة بما اختبرته من أخلاق الناس، فلقد تتبعت خطوات النساء من أحياء العاصمة والإسكندرية لأعرف درجة احترام الناس لهن وماذا يكون شأنهم معهن إذا خرجن حاسرات، فرأيت من فساد أخلاق الرجال وأخلاقهن بكل أسف ما جعلني أحمد الله ما خذل دعوتي واستنفر الناس إلى معارضتي.. رأيتهم ما مرت بهم امرأة او فتاة إلا تطاولوا عليها بألسنة البذاءة، وما وجدت زحامًا فمرت به امرأة إلا تعرضوا لها بالأيدي والألسن".

لم يكن قاسم أمين قد تراجع عن فكرته النبيلة، ولكنه أعطى تقديرًا وتقييمًا واقعيًا مثله مثل غيره من أصحاب فكرة التحديث العلمى والتطوير النابعة من الحركة الوطنية المصرية، وكان يعى أن المنظومة القيمية للمجتمع المصري يبنى عليها ولا يجب أن يتم محوها .. أو فرض أي شيء مناقض لها بقوة القانون الدولي !!. 

بمفاهيم ليبرالية اليوم، أو الجيل الجديد من الليبرالية هناك محاولات مستمرة لإلصاق كلمتى الحرية والمساواة في القاموس التاريخي المصري بالليبرالية وهذا خطأ حقيقي في فهم حالة التاريخ .. وربما هي محاولة بدأت منذ سنوات تستهدف صناعة جذور للفكرة في المجتمع وربطها بالتاريخ المصري الحديث .
  
إذ يحاول الليبراليون الجدد الاستحواذ باسم "الحرية والمساواة" على تاريخ النضال المصري من أجل التنوير في فترات القرنين التاسع عشر والعشرين.. فحركة التنوير التي بدأت مع البعثات المصرية إلى الخارج، كانت تعنى التحديث والتطوير ونقل التقدم التكنولوجي من أوروبا. 

والحقيقة أن هناك اختلافا ضخما وشاسعا بين ما هو مطلب مصري بالاستقلال الوطني وخروج الاحتلال.. وبين مفهوم الحرية الليبرالية القائم على الحرية الفردية والتي بنى عليها الليبراليون الجدد منطقهم في الصراع.

الاجتماعي.. وحتى النظام الديمقراطي والدستوري الذى كان في مصر وقتها .. كان نظامًا ديمقراطيا غير تحرري أو ليبرالي .. فقد كان نظام ديمقراطي فى مجتمع قائم على اللامساواة وهى التقسيم الطبقى ( باشا – بيه –افندى – مواطن درجة رابعة) . 

ليبرالية المساواة والحرية، وايديولوجية القبول بالآخر، تاريخيًا كان خطاب أيديولوجي لمواجه الشيوعية.. والليبرالية الجديدة التي خرجت في أواخر القرن العشرين وحتى اليوم، مستوحاة من أفكار لخدمة سيطرة آلة الحرب والدعاية الأمريكية لا هي ليبرالية ولا هي مساواة ولا تعنى اطلاقًا فكرة القبول بالآخر.

بالأحرى تحولت إلى حالة يتم فيها استخدام التحرر بمفهوم تفكيك وتذويب الآخر وتهميشة أو تقسيمه.. وهى في حد ذاتها لا تقبل غير نفسها وأنصارها.. وهى على استعداد لأن تضحى بفكرة الديمقراطية إذا كان ذلك من شأنه أن يأتي بأحد يختلف فكريًا مع باقة الليبرالية المتعددة الاستخدامات. 

فالليبرالية الجديدة بمنطق نهاية التاريخ لفوكوياما .. وحركة المنظمات الحقوقية .. هي منظومة كاملة تريد فرض نفسها على المجتمعات .. وهى لا تستطيع العيش بدون خلق دوائر صراع اجتماعية يتم تغذيتها .. لأن بدون ذلك يصبح وجودها بلا معنى .. وهى بنية لا تعيش بسلام ولا تنتشر بالتوافق .. هي نمط احتجاجي لا يعيش إلا على بنيه صراعات اجتماعية مستمرة . 

باقة الليبرالية الجديدة مثل باقات التليفون المحمول .. ليس لك أن تستخدم غير هذه الشبكة.. وليس من حقك التفاوض على بند من بنود الاستخدام.. أو استخدام ما تريد.. فعليك أن تدفع ثمن باقة الإنترنت المنزلي Adsl مع الباقة حتى لو معندكش تليفون أرضى.