في واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ استكشاف الفضاء، ما زالت حكاية نحو 2000 بذرة دارت حول القمر ثم عادت إلى الأرض تثير فضول العلماء والباحثين حتى اليوم.
بذور سافرت خارج كوكبنا، وعادت لتنمو على سطحه، في تجربة علمية امتزج فيها الطموح العلمي بالرمزية الإنسانية.
رحلة أبولو 14 حين سافرت البذور إلى القمر
في 5 فبراير 1971، هبطت مهمة أبولو 14 على سطح القمر، بينما انشغل رائدا الفضاء إدغار ميتشل وآلان شيبارد باستكشاف التربة القمرية، بقي رائد الفضاء الثالث ستيوارت روسا على متن وحدة القيادة «كيتي هوك»، حاملا تجربة علمية غير مسبوقة.
روسا، الذي عمل سابقاً قافز حرائق في إدارة الغابات الأمريكية، اصطحب معه أكثر من 2000 بذرة في إطار مشروع مشترك بين ناسا وإدارة الغابات، لاختبار تأثير الرحلات الفضائية على الكائنات الحية.
بذور من الأرض إلى مدار القمر
شملت البذور أنواعا مختلفة من الأشجار، بينها صنوبر لوبلولي، والجميز الحلو، والسرو الأحمر، وأشجار دوغلاس فير.
وُضعت جميعها داخل أكياس بلاستيكية محكمة، ثم داخل أسطوانة معدنية، لترافق روسا خلال 34 دورة كاملة حول القمر، قبل إعادتها إلى الأرض لمقارنتها ببذور لم تغادر الكوكب.
حادث غير متوقع بعد العودة
عقب عودة المهمة إلى الأرض، تعرضت التجربة لانتكاسة غير محسوبة فقد انفجرت أكياس البذور أثناء إجراءات التطهير، ما أدى إلى تبعثرها وتعرضها للفراغ، وهو ما دفع العلماء للاعتقاد بأن معظمها أصبح غير صالح للإنبات.
لكن المفاجأة كانت أن فرق إدارة الغابات نجحت في إنبات نحو 450 شتلة، لتبدأ مرحلة جديدة من التجربة.
أشجار قمرية في أنحاء العالم
زرعت هذه الشتلات في مواقع مختلفة داخل الولايات المتحدة، بينما أرسلت أخرى إلى دول مثل البرازيل وسويسرا، بل ووصلت بعض الأشجار إلى الإمبراطور الياباني، ضمن احتفالات الذكرى المئوية الثانية لاستقلال الولايات المتحدة.
ورغم القيمة العلمية والتاريخية لهذه الأشجار، فإن العديد منها زرع دون لافتات أو علامات تشير إلى رحلتها الفضائية، ما جعل تتبعها مهمة بالغة الصعوبة.
محاولات التتبع أين اختفت الأشجار؟
في عام 1996، بدأ عالم ناسا ديف ويليامز محاولة لتحديد مواقع ما عرف لاحقا بـ«الأشجار القمرية».
وتمكن من توثيق نحو 110 شجرات فقط، فشلت زراعة 30 منها لاحقاً.
ومنذ ذلك الحين، وزعت ابنة ستيوارت روسا شتلات من الجيل الثاني، نمت من بذور الأشجار الأصلية، بينما تؤكد الدراسات أن الفروق بين الأشجار التي دارت حول القمر ونظيراتها الأرضية غير ملحوظة علمياً.
أرتيميس يعيد التجربة إلى الواجهة
اليوم، تعود القصة إلى الواجهة مجدداً عبر برنامج أرتيميس، حيث أرسلت ناسا دفعة جديدة من بذور الأشجار في مهمة غير مأهولة حول القمر.
وبعد عودتها، زُرعت البذور في أكثر من 236 موقعاً داخل الولايات المتحدة.
وتحولت هذه الأشجار إلى أدوات تعليمية حية، تُستخدم لإشراك الطلاب والمجتمع في متابعة نموها، وربط علوم الفضاء بالبيئة والحياة اليومية.
إلهام للأجيال الجديدة
تقول أدريا جيلسبي، مدربة العلوم في مدارس جرينفيل بولاية كاليفورنيا:"زيارات الطلاب لهذه الأشجار أثارت اهتمامهم بالعناية بها، وأشعلت فضولهم لاستكشاف المجهول في الفضاء، والبحث عن إجابات لأسئلتهم العلمية".
رمز إنساني قبل أن يضيع في النسيان
تبقى الأشجار القمرية شاهدا حيا على قدرة الإنسان على تجاوز حدود كوكبه، ورمزا يجمع بين العلم والأمل.
غير أن غياب التوثيق الدقيق لمواقعها يهدد بضياع هذا الإرث الفريد مع مرور الزمن، ما يجعل الحفاظ عليها ومراقبتها مسؤولية علمية وتاريخية لا تقل أهمية عن الرحلة نفسها.


