في خطوة علمية وصفت بالتاريخية، أعلنت الصين تطوير أول برنامج في العالم لمزامنة التوقيت بين الأرض والقمر بدقة فائقة، في إنجاز يُعد حجر أساس للبعثات الفضائية المستقبلية، ويعكس تسارع السباق العالمي نحو القمر.
لماذا يحتاج القمر إلى توقيت خاص؟
على عكس ما قد يبدو، لا يمر الوقت بنفس الوتيرة على القمر كما هو على الأرض فبسبب ضعف جاذبية القمر مقارنة بالأرض، يتحرك الزمن هناك بشكل أسرع بفارق يُقدر بنحو 56 إلى 58.7 ميكروثانية يوميا.
ورغم أن هذا الفارق ضئيل للغاية، إلا أنه يتراكم مع مرور الوقت، ما يجعل الاعتماد على التوقيت الأرضي غير دقيق لتنفيذ عمليات حساسة مثل الملاحة، والهبوط، وإدارة المركبات الفضائية، حيث قد يؤدي خطأ زمني بسيط إلى انحراف موقع الهبوط لمسافات قد تصل إلى كيلومترات.
برنامج LTE440 حل صيني لتحدي كوني
لمعالجة هذه الإشكالية، طور فريق من الباحثين في مرصد جبل البنفسج بمدينة نانجينغ نموذجًا علميًا متقدمًا يأخذ في الاعتبار حركة القمر في الفضاء، وضعف جاذبيته، والعوامل النسبية المؤثرة على الزمن.
وتم تحويل هذا النموذج إلى برنامج عملي يحمل اسم LTE440، وهو اختصار لـ Lunar Time Ephemeris أو “الحساب الفلكي الزمني للقمر”، ليصبح أول برنامج جاهز للاستخدام يتيح مقارنة توقيت القمر بتوقيت الأرض بخطوة واحدة، دون الحاجة إلى حسابات معقدة.
دقة تصل إلى النانوثانية
ويؤكد مطورو البرنامج أن LTE440 قادر على مزامنة الساعات بين الأرض والقمر بدقة تصل إلى نانوثانية واحدة، حتى عند إجراء حسابات تمتد إلى ألف عام مستقبلًا، ما يجعله أداة محورية للمهمات طويلة الأمد.
ويهدف البرنامج إلى تبسيط قياس الوقت القمري، في ظل توقعات بزيادة عدد المركبات الفضائية والبشر العاملين على سطح القمر خلال العقود المقبلة.
من التوقيت الأرضي إلى زمن قمري مستقل
في السابق، وبسبب قلة البعثات القمرية، كان المهندسون يعتمدون على التوقيت الأرضي مع إدخال تعديلات خاصة لكل مهمة على حدة. إلا أن هذا النهج لم يعد كافيا مع التحول نحو إنشاء قواعد دائمة وبنى تحتية معقدة على القمر.
ومع التوجه العالمي نحو الاستيطان القمري، بات وجود نظام توقيت قمري مستقل ودقيق ضرورة لا غنى عنها لضمان سلامة العمليات وتنسيق الحركة بين المركبات والمنشآت.
انسجام مع القرار الدولي
ويأتي إطلاق البرنامج الصيني بعد أن اعتمد الاتحاد الفلكي الدولي عام 2024 قرارا بإنشاء نظام مرجعي موحد للوقت القمري، بهدف توحيد معايير التوقيت للمهمات الفضائية المستقبلية.
ويعد LTE440 من أوائل الحلول العملية التي تطبق هذا التوجه على أرض الواقع، عبر تحليل دقيق لمسار القمر وحركته في الفضاء.
خطوة نحو الاستيطان البشري
ويصف الباحثون البرنامج بأنه خطوة تأسيسية ستخدم مستقبلًا الملاحة في الزمن الحقيقي، وإدارة شبكات الساعات في المستعمرات القمرية، ما يجعل الاستيطان البشري طويل الأمد أكثر أمانًا وكفاءة.
وفي خطوة لافتة، أتاحت الصين البرنامج للعامة، في إشارة واضحة إلى رغبتها في لعب دور قيادي في وضع المعايير العلمية والاقتصادية للقمر، في وقت تعمل فيه الولايات المتحدة على مفاهيم مماثلة ضمن برنامجها الفضائي "أرتيميس".
قمر مزدحم وساعة واحدة للجميع
ومع تزايد المشاريع القمرية، من المتوقع أن يصبح سطح القمر أكثر ازدحاما بالمهمات البشرية والآلية وإذا جرى اعتماد LTE440 على نطاق واسع، فإن أوائل المستوطنين القمريين سيعملون ضمن نظام زمني موحد، ما يوفر دقة غير مسبوقة في العمليات اليومية والملاحة الفضائية.
وقد نشرت التفاصيل الكاملة للبرنامج في عدد ديسمبر من مجلة Astronomy and Astrophysics، مؤكدة أن هذه الخطوة تمثل قفزة نوعية في علوم الفضاء، وتمهيدا عمليا لتحويل القمر من وجهة استكشاف إلى بيئة صالحة للحياة البشرية المنظمة.




