قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

لغز بسيط.. كيف ترى عينك ما لا يراه عقلك؟

خدع بصرية
خدع بصرية

تشهد منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة انتشارا واسعا لما يعرف بـ «الخدع البصرية»، وهي صور وأشكال تبدو للوهلة الأولى واضحة، لكنها سرعان ما تربك المشاهد حين يكتشف أن ما يراه ليس سوى تفسير ناقص أو مضلل للواقع.

أحدث هذه الظواهر لغز بصري يظهر في صورة شبكة من المستطيلات الضيقة، بينما يخفي في داخله حلقة من الدوائر المثالية، في مشهد يبرهن أن حتى البالغين الواثقين من قوة ملاحظتهم قد يعجزون عن رؤية ما هو أمام أعينهم مباشرة.

ويرى مختصون أن هذه الخدع لا ترتبط بمستوى الذكاء بقدر ما تعكس طريقة عمل الدماغ في «تحرير» الواقع قبل أن يصل إلى وعينا، إذ يعتمد الإنسان في إدراكه على اختصارات ذهنية وتوقعات مسبقة وعادات بصرية تراكمت منذ الطفولة.

لماذا يرفض الدماغ رؤية الدوائر؟

يُعد هذا الاختبار نسخة حديثة من خدعة كلاسيكية تُعرف باسم «خداع الصناديق» (The Coffer Illusion)، حيث يبدو الشكل في البداية كشبكة من الألواح المستطيلة، بينما يحتوي فعليًا على 16 دائرة مخفية.

في النسخة الحديثة، يلاحظ معظم الناس جدارا من الأعمدة الأفقية والعمودية، لأن النظام البصري مهيأ بطبيعته لاكتشاف الحواف المستقيمة والأشكال الشبيهة بالأبواب والنوافذ.

ولا تظهر الدوائر المخفية عادة إلا بعد الإشارة إليها أو بعد تركيز طويل، وكأنها «تنفجر» فجأة من داخل النمط الهندسي، في تجربة تظهر كيف يمكن للعقل أن يتجاهل عناصر واضحة بسبب هيمنة أنماط مألوفة.

كيف يمكن اكتشاف الدوائر الخفية؟

إحدى الطرق العملية لرؤية الدوائر هي التوقف عن التركيز على الأشكال نفسها، والاهتمام بدلا من ذلك بالفراغات بينها، خاصة الأعمدة العمودية بين المستطيلات.

هذا التحول البسيط في زاوية النظر يتيح إدراك النمط الكامل، ويكشف ميل الدماغ الدائم لتفضيل البنى المألوفة حتى عندما تكون وهمية.

تحديات «1٪ فقط» واجتياح وسائل التواصل

مع انتشار هذا النمط، امتلأت منصات التواصل باختبارات مشابهة تدعي قياس حدة البصر والقدرة على إدراك التفاصيل، مثل العثور على رمز مختلف بين مجموعة كثيفة من الأشكال المتطابقة، أو التمييز بين أرقام متشابهة خلال وقت قصير.

وتشترك هذه الألعاب جميعها في آلية واحدة
العين تبحث عن أنماط، والدماغ يملأ الفراغات، بينما تختفي الانحرافات الطفيفة ما لم يوجه الانتباه بدقة وهي مهارات يمكن تدريبها، لكنها تختلف من شخص لآخر.

خدع تتجاوز العين وتؤثر في الجسد

لا تقتصر الخدع البصرية على خداع الرؤية فقط، بل قد تثير ردود فعل جسدية قابلة للقياس.

فقد كشفت دراسة لعلماء نفس بجامعة أوسلو في النرويج، نشرت في مجلة Frontiers in Human Neuroscience، أن نمطا بصريا ثابتا يعرف بـ«الحفرة المتوسعة» يجعل المشاهد يشعر وكأنه يتحرك داخل نفق.

وأظهرت النتائج أن نحو 80٪ من الأشخاص يرون المنطقة المركزية تتضخم نحوهم، في حين يرى الباقون صورة مسطحة فقط والأدهى أن حدقة العين تتوسع فعليًا استجابة لتغير الضوء المتوقع، رغم أن الصورة ثابتة تمامًا، ما يعني أن الدماغ يتفاعل مع الوهم كما لو كان حقيقة.

بين تحليل الشخصية والتنبؤ بالمستقبل

إلى جانب اختبارات الإدراك، انتشرت صور فيروسية تدعي كشف شخصية الفرد أو التنبؤ بمستقبله بناءا على ما يلاحظه أولا في الصورة.

فعلى سبيل المثال، تشير بعض الصور إلى صفات الشخص حسب الحيوان الذي يراه أولا، أو تتنبأ بما سيحدث له في عام 2026 بناءً على الرمز الذي يلفت انتباهه.

غير أن خبراء علم النفس يحذرون من المبالغة في تفسير هذه الخدع، مؤكدين أن ما يراه المشاهد أولا لا يعكس سماته الشخصية بقدر ما يعكس طريقة ترتيب دماغه للأشكال بسرعة.

خدع الألوان حين تتدخل الذاكرة في الرؤية

تضيف خدع الألوان بعدا جديدا لفهم الإدراك البصري، حيث توضح مدى اعتماد الدماغ على السياق والذاكرة بدلا من الأطوال الموجية الخالصة للضوء.

ففي تجربة بجامعة كاليفورنيا – بيركلي، عرضت علبة مشروب غازي تبدو حمراء زاهية، رغم أنها لا تحتوي فعليا على أي بكسل أحمر، إذ يقوم الدماغ بتصحيح اللون تلقائيا اعتمادا على معرفته المسبقة بالعلامة التجارية.

وهي الظاهرة نفسها التي تظهر في خدعة شبكة الدوائر، حيث يخطئ معظم المشاهدين في رؤية الأشكال المخفية بسبب ميل الدماغ لقراءة الأنماط المألوفة.

لماذا تدهشنا الخدع البصرية؟

بعد أكثر من عقدين على ظهور خدعة «الصناديق»، لا تزال تربك المشاهدين حول العالم، حيث يرى أغلب الناس المستطيلات فقط ويكافحون لرؤية الدوائر الـ16 المخفية.

وهو ما يؤكد أن أعيننا لا تنقل الواقع كما هو، بل كما يفسره الدماغ بين التوقع، والذاكرة، والعادة.

فالخدع البصرية ليست مجرد ألعاب مسلية، بل نافذة حقيقية لفهم كيف يعمل العقل البشري، ولماذا قد نخطئ في رؤية أبسط الحقائق، حتى وهي أمامنا مباشرة.