ورد سؤال إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، يقول فيه السائل: يدّعي بعض الأشخاص أن إعمار الأرض بالعلم والحضارة والتقدم التكنولوجي والحضاري هو العبادة ذاتها، ويبنون على ذلك أن كل من يقوم بوظيفة إعمار الأرض، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، يكون متعبدًا لله عز وجل، فهل هذا القول صحيح؟
وأجاب الدكتور عطية لاشين قائلًا: الحمد لله رب العالمين، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي روت عنه كتب السنة قوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج).
وأوضح عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف أن الإسلام لا يكتمل بنيانه ولا يتحقق وجوده من الأساس إلا بتحقيق الإنسان لأركانه الواردة في الحديث الشريف، فمتى تحققت هذه الأركان وُجد الإسلام، وإذا غاب ركن منها كان الإسلام ناقصًا أو منعدمًا بالكلية.
وبخصوص واقعة السؤال، أكد الدكتور لاشين أنه لا فرق بين العبادة والمناسك، موضحًا أن لفظ المنسك يُطلق ويراد به معنيان؛ الأول معنى خاص وهو الذبح، سواء كان ذبح أضحية أو عقيقة أو وليمة أو نذرًا، وقد جمع الله بين الصلاة والنسك في قوله تعالى: (فصلِّ لربك وانحر).
أما المعنى الثاني فهو المعنى العام الذي يُراد به جميع العبادات، كما في قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكًا هم ناسكوه)، وقوله عز وجل: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له)، أي أن الصلاة وسائر العبادات إنما تُؤدى خالصة لله تعالى.
وبين الدكتور عطية لاشين أن تفسير العبادة على أنها مجرد إعمار الأرض بالعلم والتقدم الحضاري والتسلح بأسلحة العصر تفسير غير صحيح، لما يترتب عليه من نتائج خطيرة، من بينها اعتبار غير المسلمين عبادًا متقربين إلى الله بهذا التقدم، في مقابل اعتبار المسلمين الذين يتقربون إلى الله بما شرع مقصرين أو عصاة، وهو قول لم يقل به أحد من أهل العلم.
وأشار إلى أن القول الرشيد في هذه المسألة يتمثل في أن إعمار الأرض ومواكبة روح العصر وعدم تخلف المسلمين عن ركب الحضارة يدخل في باب العبادة والطاعة، لكن ذلك لا يكون مع إغفال العبادة الحقيقية المتمثلة في إقامة شعائر الدين، لأن هذه الشعائر تمثل صمام الأمان الذي يقي البشرية الآثار السلبية والمميتة للتقدم الحضاري، وتعمل كوسيلة ضبط وتحكم في نتائج التقدم التكنولوجي.
وضرب الدكتور لاشين مثالًا بما حدث في مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين، وما تعرضتا له من قصف بالقنابل الذرية التي لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم، متسائلًا: هل يُعد هذا التقدم الدنيوي المذهل عبادة يتقرب بها أصحابها إلى الله عز وجل؟
واختتم عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف رده بالاستشهاد بقول الله تعالى: (وهو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه)، موضحًا أن إعمار الأرض لا يكتمل إلا بالتسلح بالقيم الدينية والمعنوية إلى جانب الوسائل المادية، وأن الاستغفار والتوبة شرط أساسي في هذا الإعمار، متسائلًا: هل الذين حققوا التقدم العلمي من غير المؤمنين يستغفرون الله ويتوبون إليه حتى يُعدوا من عباده المتقين؟
كما استشهد بقوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا)، مؤكدًا أن الآية حددت عناصر إعمار الأرض الحقيقي، وأن غياب هذه العناصر يحول الإعمار إلى دمار وخراب وإزهاق للأنفس.
وختم الدكتور عطية لاشين حديثه بقوله تعالى: (أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون)، تأكيدًا على أن الإيمان والعمل الصالح هما الأساس الذي يقوم عليه إعمار الأرض في ميزان الشرع.



