عاد ملف الإيجار القديم إلى صدارة المشهد البرلماني من جديد، لكن هذه المرة بصيغة صدامية بين مسارين تشريعيين، الأول تمثله تعديلات الدولة التي صدّق عليها الرئيس عبد الفتاح السيسي بموجب القانون رقم 164 لسنة 2025، واضعة جدولًا زمنيًا منضبطًا لإنهاء العلاقة الإيجارية تدريجيًا، والثاني يجسده مشروع قانون جديد كشف عن ملامحه النائب عاطف المغاوري، يسعى لإلغاء مدد الإخلاء والتصنيف الجغرافي، وإعادة صياغة فلسفة الإصلاح من الأساس.
وبين «الإخلاء المنظم» و«إلغاء القيود الزمنية»، يرصد صدي البلد في هذا التقرير أبرز نقاط الاختلاف والتقاطع بين القانون الإيجار القديم القائم ومشروع القانون المرتقب.
أولًا: فلسفة التشريع.. تنظيم أم إعادة صياغة؟
جاء قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025 باعتباره محاولة رسمية لتصحيح اختلال تاريخي في العلاقة الإيجارية، عبر مزيج من العدالة الاجتماعية والتدرج الزمني، دون الانحياز لطرف على حساب الآخر.
في المقابل، ينطلق مشروع النائب عاطف المغاوري من فلسفة مغايرة، تقوم على تقليص تدخل الدولة في تحديد مدد الإخلاء أو توفير بدائل سكنية، مع إعادة الاعتبار للامتداد القانوني وفق أحكام المحكمة الدستورية فقط.
ثانيًا: مدد الإخلاء.. جدول زمني أم إلغاء النص؟
القانون الحالي وضع مددًا انتقالية واضحة:
5 سنوات للوحدات غير السكنية الخاصة بالأشخاص الاعتبارية
7 سنوات للوحدات السكنية
وهي مدد تستهدف منح المستأجر فرصة لتوفيق الأوضاع، ومنع الصدمة الاجتماعية.
بينما يقترح مشروع المغاوري إلغاء المادة الثانية بالكامل، معتبرًا أن فرض مدد زمنية للإخلاء يمثل عبئًا على الدولة والمواطن في ظل غياب بدائل حقيقية، والاكتفاء بامتداد واحد لجيل واحد وفق أحكام الدستورية.
ثالثًا: تصنيف الوحدات.. عدالة مكانية أم تمييز دستوري؟
اعتمد القانون رقم 164 لسنة 2025 على تصنيف المناطق إلى (متميزة – متوسطة – اقتصادية) من خلال لجان محلية بالمحافظات، لضبط القيمة الإيجارية وتحقيق عدالة نسبية في التطبيق.
في المقابل، يرفض مشروع المغاوري هذا التصنيف بشكل قاطع، معتبرًا إياه تمييزًا بين المواطنين يتعارض مع مبدأ المساواة الدستورية، مؤكدًا أن اختلاف الشقق داخل عمارة واحدة لا يبرر اختلاف المعاملة القانونية.
رابعًا: القيمة الإيجارية.. نسبة موحدة أم شرائح تاريخية؟
نص القانون الحالي على زيادة سنوية بنسبة 15% خلال الفترة الانتقالية، مع حد أدنى 250 جنيهًا للوحدة السكنية، في محاولة لتحقيق توازن بين تحسين دخل المالك وعدم الضغط المفاجئ على المستأجر.
بينما يطرح مشروع المغاوري رؤية مختلفة، تقوم على ربط الزيادة بتاريخ إنشاء المبنى وتاريخ تحرير عقد الإيجار، مع تقسيم القيم الإيجارية إلى شرائح تضمن مضاعفات أكبر للعقود الأقدم والأقل أجرًا.
خامسًا: الفئات الأولى بالرعاية.. حماية اجتماعية أم رفع عبء؟
القانون القائم ألزم الدولة، وفق المادة (8)، بتوفير وحدات بديلة بالإيجار أو التمليك للفئات غير القادرة من المستأجرين الأصليين، كصمام أمان اجتماعي.
في المقابل، يقترح مشروع المغاوري إلغاء هذا الالتزام، معتبرًا أن تحميل الدولة مسؤولية السكن البديل يزيد الأعباء المالية دون حلول واقعية مستدامة.
سادسًا: النزاعات القضائية.. تعدد المسارات أم جهة واحدة؟
أدخل مشروع المغاوري بندًا جديدًا بتوحيد الجهة القضائية المختصة بنظر نزاعات الإيجار القديم، سواء قاضي الأمور الوقتية أو الموضوعية، بهدف تسريع الفصل في القضايا، مقارنة بالنظام القائم الذي يشهد تداخلًا في الاختصاصات.

