في قريتنا الصعيدية، للأسماء حرمة لا تُمسّ، فالمرأة لا يُنادى عليها باسمها، كأن الاسم عورةٌ أخرى يجب سترها.
وحين تتأخر في الإنجاب، لا يُقال إنها عاقر ولا يُرمى في وجهها السؤال صراحة، بل تُمنَح اسمًا بديلاً، اسمًا يُقال على أنه نخوة،
ويُحمل في القلب كوجعٍ طويل: أمّ الغائب.
لم تكن تعرف متى صار الغائب ابنًا، ولا كيف تحوّل الانتظار إلى هوية، كل ما تعرفه أن اسمها الحقيقي انسحب في صمت، وأنها صارت معروفة بما لم يأتِ بعد. كانت تمر كل صباح بمحاذاة الترعة، تمشي ببطءٍ محسوب، كأنها تخشى أن تسبق قَدَرها، تُسلّم على النساء فيرددن التحية مقرونة بالاسم الجديد، فتبتسم ابتسامة من تعلّم أن يشكر الناس على صبرٍ لم يختره، وتُقنع نفسها أن الأمر تكريم لا تعيير، وأن الستر أرحم من الفضح، حتى وإن كان الستر نفسه جارحًا.
مرّت السنوات ثقيلة، وتحوّل الاسم من دعاءٍ خفيّ إلى علامةٍ ثابتة، من نخوةٍ اجتماعية إلى همسٍ يُلاحقها في الطرقات، وصار الغائب حاضرًا في كل شيء إلا رحمها. وفي يومٍ شعرت فيه أن المرآة لم تعد تحتمل، ولا الطريق، ولا الاسم، قالت بهدوءٍ يشبه الاستسلام الأخير إنها لا تريد أن تُنادى بأمّ الغائب بعد الآن، لم تشرح ولم تُخاصم، فقط طلبت أن يسمّوها أمّ منصور. لم تسألهم من هو منصور، ولا متى وُلد، كأنها اختارت اسمًا ليقف بينها وبين الفراغ، اسمًا ليكون شاهدًا لا طفلًا، فأطاعها الناس، أو هكذا بدا، وصارت منذ ذلك اليوم تُعرَف بأمّ منصور.
وفي صباحٍ عاديّ لا يحمل وعدًا ولا فاجعة، كانت تمشي على حافة الترعة، فرأت رجلًا راكبًا حماره، وخلفه طفلٌ صغير، عيناه مفتوحتان على الدنيا كأنهما سؤال. حين اقترب منها الرجل ألقى التحية وقال ببساطة لا تقصد القسوة: إزيك يا أمّ منصور. ردّت السلام ومضت، لكن الطفل شدّ ثوب أبيه وسأله ببراءةٍ خالية من الحكمة: أنا عمري ما شوفت منصور...
توقّف الرجل لحظة، كأن الجواب أثقل مما يبدو، ثم مسح على رأس ابنه وقال: ما هو غايب يا حبيبي ... وواصل طريقه، بينما واصلت هي سيرها، وقد أدركت فجأة أن الغائب لم يكن طفلًا لم يُولد، بل عدلًا لم يأتِ، وأن الأسماء مهما تغيّرت لا تشفي وجع الانتظار، ولا تُنقذ القلب من سؤالٍ ظلّ معلّقًا دون إجابة.