قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

الكنافة.. حلوى تصنع التاريخ وتروي حكاية رمضان المصري

الكنافة
الكنافة

حين يهلّ رمضان على مصر، لا يجيء وحده بالصيام والقيام، بل يحمل معه طقوسًا متوارثة تنبض بالحياة والدفء، تتبدّل ملامح الشوارع، وتتعانق روائح الطعام مع أصداء المديح، وتتلألأ الفوانيس في عيون الأطفال قبل أن تضيء الأزقة.

 في قلب هذا المشهد، تتربع الكنافة لا كطبقٍ عابر، بل كرمزٍ لذاكرة جماعية صنعتها قرون من الحكايات، فهي ليست مجرد خيوط من عجين وسكر، بل خيوط تربط المصريين بتاريخهم، وتجمع بين القصر والحارة، وبين الغني والفقير، في لحظة فرحٍ واحدة يتذوقها الجميع مع أول أذان للمغرب.

صورة متكاملة للبهجة الشعبية

من جانبه؛ أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن استدعاء ذاكرة المصريين مع رمضان يكشف عن صورة متكاملة للبهجة الشعبية؛ صينية كنافة تتصدر المشهد، وفوانيس مضيئة، ورائحة قمر الدين، وأصوات المديح تتسلل من المساجد والزوايا، كان رمضان موسم لمّة وكرم وسهر ممتد، حيث يذوب الفارق بين الطبقات، وتتوحد المائدة والفرحة، وتبقى الكنافة شاهدة على هذا المشهد المتكرر عبر العصور.

أقدم الروايات

وأشار، خلال حديثه في برنامج «رمضان حكاية مصرية»، إلى أن أقدم الروايات تنسب ظهور الكنافة إلى زمن معاوية بن أبي سفيان، حين أُعدّت له طعامًا للسحور يقيه الجوع دون أن يثقله، بينما تربط روايات أخرى انتشارها وظهور قمر الدين بعهد عبد الملك بن مروان في مطلع القرن الثاني الهجري، ثم ازدهرت صناعتها في عهد سليمان بن عبد الملك على يد طهاة حلب، قبل أن تنتقل من الشام إلى مصر، ومن موائد الخلفاء إلى أفران الحارات الشعبية.

مكانة الكنافة والقطايف

ولفت إلى أن مكانة الكنافة والقطايف بلغت حدًّا دفع الإمام جلال الدين السيوطي لتأليف كتاب كامل بعنوان منهل اللطائف في الكنافة والقطايف، جمع فيه الأشعار والنوادر المرتبطة بهما، مشيرًا إلى أن لفظ «كنافة» قد لا يكون عربي الأصل، وربما يحمل جذورًا أعجمية، فيما تطورت «القطايف» عبر الزمن حتى أخذت شكلها المعروف اليوم.

موائد ولاة مصر

وتكشف المصادر التاريخية أن موائد ولاة مصر في العصر الأموي، خاصة في الفسطاط، كانت عامرة في رمضان بأطباق الكنافة والقطايف والهريسة، تُحمل على صوانٍ كبيرة تجوب الأحياء في صورة تعكس الكرم العام. ثم جاء عهد أحمد بن طولون ليمنح هذه الحلوى حضورًا أوسع، حيث كانت الموائد تُقام ويُدعى إليها الفقراء، بل يُرسَل إليهم الطعام إلى بيوتهم.

صناعة الحلوى الرمضانية

وفي العصر الفاطمي، بلغ التقليد ذروته مع إنشاء «دار الفطرة»، وهي مؤسسة خصصت لصناعة الحلوى الرمضانية وتوزيعها على الناس. وقد وصف المؤرخ تقي الدين المقريزي أجواء ليلة التاسع والعشرين من رمضان في القاهرة، حيث تختتم التلاوات بالتكبير والتهليل، ثم تُقدَّم صواني الكنافة والقطايف في مشهد يجمع بين الروح والبهجة.

كما حضرت الكنافة والقطايف في الأدب؛ فالشاعر ابن الرومي تغنّى بالقطايف كأنها قصيدة من سكر، بينما عبّر الشاعر المصري أبو الحسين يحيى الجزار عن شوق الفقير إليها، مصورًا غيابها كأنه نقص في بهجة الأيام؛ ودخلت كذلك كتب الطبخ مثل كتاب الطبيخ، حيث وُثّقت وصفاتها وتقنيات إعدادها بدقة.

وهكذا، لم تكن الكنافة مجرد حلوى موسمية، بل سجلًا حيًّا لذاكرة المصريين؛ من قصور الخلفاء إلى أزقة القاهرة، ومن كتب الأدب إلى موائد الفقراء. إنها طقس رمضاني يحمل معنى المشاركة والكرم، ويختصر فلسفة الشهر الكريم في مصر: عبادة تلامس القلب، وفرحة تلامس الجسد، وطعمٌ لا يكتمل رمضان بدونه.