في خطوة علمية قد تعيد رسم مستقبل وقود الطيران، نجح فريق بحثي مشترك من جامعة كوينزلاند والمعهد الهندي للتكنولوجيا بدلهي في تطوير تقنية مبتكرة لتحويل مخلفات قصب السكر، المعروفة باسم “الباجاس”، إلى وقود حيوي للطائرات بطريقة أكثر استدامة وأقل تكلفة.
الدراسة، المنشورة في دورية Biofuels, Bioproducts and Biorefining، كشفت عن استخدام نوع جديد من المذيبات الحيوية القابلة للتحلل يُعرف باسم “المذيبات الإيوتكتية العميقة”، كبديل آمن وفعال عن الأحماض التقليدية المكلفة والملوثة للبيئة.
ما هي “المذيبات الإيوتكتية العميقة”؟
تعتمد التقنية الجديدة على مذيبات صديقة للبيئة يتم تحضيرها عبر خلط مادتين صلبتين لتكوين سائل عند درجات حرارة منخفضة.
هذه الخاصية الفريدة تسمح بالتفاعل مع المخلفات الزراعية بكفاءة عالية دون الحاجة إلى أحماض سامة أو استهلاك كميات كبيرة من المياه.
الأهم من ذلك، أن هذه المذيبات لا تتسبب في تدمير الإنزيمات والخميرة الضرورية لتحويل السكريات إلى وقود حيوي، وهو ما يتيح تنفيذ عملية التحويل كاملة في خطوة واحدة فقط، موفرةً الوقت والطاقة والتكاليف.
حل عقدة “اللجنين” التي عطلت الوقود الحيوي
واحدة من أكبر العقبات في إنتاج الوقود الحيوي من المخلفات النباتية هي وجود مادة “اللجنين”، التي تعيق الوصول إلى السكريات القابلة للتخمير داخل الألياف النباتية.
التقنية الجديدة تتجاوز هذه العقبة بفاعلية، حيث تسمح بفك البنية المعقدة للمخلفات دون عمليات فصل معقدة أو استهلاك مفرط للمياه، وهو ما يمثل طفرة حقيقية مقارنة بالطرق التقليدية.
لماذا قصب السكر تحديدا؟
أظهرت النتائج أن اختيار أنواع قصب السكر ذات المحتوى المرتفع من السليلوز والمنخفض من اللجنين يعزز كفاءة إنتاج الإيثانول الحيوي بشكل كبير.
وهذا يعني أن تحسين اختيار المحصول يمكن أن يضاعف مردود الوقود الحيوي دون الحاجة لزراعة مساحات إضافية.
كما تشير النماذج البحثية إلى أن دمج هذه التقنية داخل مصانع السكر القائمة بالفعل يمكن أن يحولها إلى مراكز إنتاج مزدوجة للسكر والوقود الحيوي، ما يعزز الجدوى الاقتصادية ويقلل الهدر.
من مشكلة بيئية إلى فرصة طاقة مستدامة
في العديد من الدول الزراعية، يتم التخلص من “الباجاس” عبر الحرق في الحقول، ما يسبب تلوث هوائيا كبيرا وانبعاثات كربونية ضارة.
التقنية الجديدة تفتح الباب أمام استغلال هذه المخلفات كمصدر نظيف للطاقة بدلاً من كونها عبئا بيئيا.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه النتائج في تقليل الانبعاثات الناتجة عن قطاع الطيران، الذي يعد من أكثر القطاعات صعوبة في التحول إلى الطاقة النظيفة، عبر توفير بديل حيوي مستدام يمكن إنتاجه محليا من المخلفات الزراعية.
مستقبل وقود الطائرات يبدأ من الحقول
مع تسارع الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ والبحث عن بدائل للطاقة الأحفورية، يبدو أن مخلفات قصب السكر قد تتحول من نفايات زراعية إلى عنصر رئيسي في معادلة وقود الطيران المستدام.
هذا الابتكار لا يقدم فقط حلا بيئيا، بل يطرح نموذجا اقتصاديا جديدا يعيد تعريف قيمة المخلفات الزراعية، ويمهد الطريق أمام عصر جديد من الوقود الحيوي الذي يبدأ من الحقول وينتهي في السماء.


