لم تعد المراهنات الإلكترونية مجرد ألعاب عابرة أو وسيلة للترفيه عبر الهواتف الذكية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متنامية تستقطب ملايين الشباب حول العالم، مستفيدة من الانتشار الواسع للإنترنت وتطبيقات الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي.
في دقائق معدودة، يستطيع أي مستخدم تحميل تطبيق للمراهنة أو الدخول إلى موقع إلكتروني يعده بأرباح سريعة ومكاسب خيالية، ليجد نفسه تدريجيًا داخل دائرة معقدة من الخسائر المالية والضغوط النفسية والإدمان.
وتعتمد هذه التطبيقات على أساليب تسويقية شديدة الجاذبية، تبدأ بالإعلانات الممولة التي تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، مرورًا بالمؤثرين وصناع المحتوى الذين يروجون لفكرة "الربح السهل"، وصولًا إلى العروض المجانية والمكافآت الترحيبية التي تمنح المستخدم شعورًا زائفًا بإمكانية تحقيق الثراء في وقت قصير.

استهداف الشباب عبر التكنولوجيا
أصبح الشباب والمراهقين الفئة العمرية الأكثر استهدافًا من قبل منصات المراهنات الإلكترونية، بسبب اندفاعهم نحو التجربة ورغبتهم في تحقيق دخل سريع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة في بعض الدول.
وتستخدم هذه التطبيقات تقنيات نفسية معقدة تعتمد على التحفيز اللحظي والإثارة المستمرة، من خلال الألوان الجذابة والتنبيهات المتكررة وأنظمة المكافآت، وهي أساليب مشابهة لتلك المستخدمة في ألعاب الفيديو، لكنها ترتبط هنا بخسائر مالية حقيقية قد تدفع بعض المستخدمين إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتهم من أجل الاستمرار في اللعب أملاً في تعويض خسائرهم.
كما ساهمت العملات الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني الحديثة في تسهيل عمليات المراهنة، حيث أصبح من الممكن تحويل الأموال والمشاركة في الرهانات بسرية وسرعة كبيرة، بعيدًا عن الرقابة التقليدية التي كانت تحد من انتشار هذه الظاهرة في الماضي.
مطالبات بتجريم المراهنات الإلكترونية
من جانبها، تقدمت الدكتورة ولاء هرماس عضو لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس الشيوخ بمقترح تعديل تشريعي يستهدف تجريم المراهنات الإلكترونية .
وطالبت هرماس أن يتضمن هذا المقترح : تجريم كافة الأفعال - التي تتم عبر شبكة الإنترنت والتي غرضها القيام بمراهنة الكترونية - والصادرة ممن قام بإنشاء موقع الكتروني لقيام الغير بممارسة المراهنات الالكترونية أو من يمارس تلك المراهنات وتلحق العقوبة الشخص المسئول عن هذا الموقع الذي يمارس تلك المراهنة وكذلك الشخص الذي يمارس تلك المراهنة ، وكذلك قيام الجهات المعنية المختصة بدورها حيال الموقع أو الحساب الالكتروني الذي تدار المرهنة الالكترونية من خلاله، إذا اقتضى الأمر سواء بالحجب أو الغلق.
وقالت: انتشرت في الآونة الأخيرة بين الأطفال والشباب ظاهرة المراهنات الإلكترونية ، فقد زادت خلال العشرة سنوات الماضية تلك الظاهرة ، حيث يلجأ محتالو التطبيقات الخاصة بالمراهنات لاستخدام محافظ إلكترونية ليست بأسمائهم الحقيقية عبر استخدام بطاقات لأشخاص متوفين أو استغلال المحافظ الإلكترونية لأشخاص بسطاء نظير منحهم مبالغ مالية زهيدة، أو جمع خطوط هواتف محمولة مفعل عليها محافظ مالية، واستخدامها في تداول الأموال على مواقع المراهنات الإلكترونية.
وأضافت: وفي عام 2023 : استخدم 4 ونصف مليون مواطن مصري مواقع المراهنات الإلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي ، منفقين عليها نحو مليار و200 مليون دولار، و90 % من مستخدميها شباب.
وأكدت أن تلك المراهنات لا تقتصر على الراجل فقط بل هناك سيدات وقعن فريسة لتلك المراهنات الالكترونية ، والأخطر في حال قيام مرأة بتلك المراهنة بأنه يتم تهديدها حال مطالبتها بأموالها بفضح صورها الشخصية وبياناتها التي حصلوا عليها خلال اشتراكها في فترة اللعب كنوع من الابتزاز من أجل الصمت وعدم المطالبة بأموالها.
وأوضحت أن الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الافتاء المصرية حرموا ألعاب المراهنات الالكترونية ، مشيرة إلى أنه وصل حجم سوق المراهنات الرياضية عبر الإنترنت عام 2024 إلى 48 ملياردولار أمريكي، وتشير التوقعات إلى وصوله إلى 84 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029.
وقالت أن الغرض من القيام بالمراهنات الإلكترونية هو المكسب السريع والسهل ، مؤكدة أن مخاطر المراهنات الإلكترونية تتمثل في مخالفة القيم والأصول الدينية ، و الإضرار بالاقتصاد القومي واستنزاف بعض النقد الأجنبي إذا كان الموقع أو المنصة التي تدير المراهنة مكانها خارج البلاد ، بالإضافة إلى إفلاس الشخص المراهن في كثير من الأحيان ، ومن ثم تهديد استقراره الأسري.
تحذيرات دينية وقانونية
ومع تصاعد الظاهرة، دقت جهات دينية وقانونية ناقوس الخطر، محذرة من التأثيرات الأخلاقية والاجتماعية لهذه التطبيقات.
وتواجه الحكومات تحديات كبيرة في ملاحقة هذه المنصات، خاصة أن كثيرًا منها يعمل عبر خوادم خارجية ويستخدم وسائل تقنية معقدة للتحايل على الرقابة. ورغم قيام بعض الدول بحجب مواقع المراهنات أو فرض قيود قانونية عليها، فإن التطبيقات الجديدة تظهر باستمرار بأسماء مختلفة وأساليب أكثر تطورًا.
ومن جانبها، قالت الدكتورة هالة منصور، إن المراهنات الإلكترونية باتت تمثل "خطرًا اجتماعيًا صامتًا" يهدد فئة الشباب بشكل مباشر، موضحًا أنها تعتمد على آليات نفسية تستهدف إقناع المستخدمين بإمكانية تحقيق أرباح سريعة وسهلة، رغم أن الواقع غالبًا ما يكون عكس ذلك تمامًا.
وأضافت منصور في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن الشباب يُعدون الأكثر عرضة للانجراف وراء هذه التطبيقات، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة ورغبتهم في تحسين أوضاعهم المعيشية بشكل سريع، لافتًا إلى أن كثيرين يدخلون في دائرة من الخسائر المتكررة التي تدفعهم للاستمرار في محاولة تعويض ما فقدوه، ما يزيد من عمق الأزمة.
وأشارت إلى أن تأثير هذه الظاهرة لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يمتد ليشمل الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية، موضحًا أن بعض الحالات قد تتطور إلى العزلة الاجتماعية أو الاكتئاب أو حتى مظاهر من العنف الأسري نتيجة الضغوط النفسية والمالية المتراكمة.


