تواصل الدولة المصرية تنفيذ خطتها الهادفة إلى بناء قاعدة صناعية قوية في قطاع النقل، بالتزامن مع التوسع الكبير في مشروعات البنية التحتية والجر الكهربائي، ضمن رؤية تستهدف تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز التصنيع المحلي.
وزارة النقل كشفت عن ملامح استراتيجية متكاملة تسعى لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعات السكك الحديدية والجر الكهربائي، مع العمل على توفير مليارات الدولارات من فاتورة المكون الأجنبي وفتح أسواق تصديرية جديدة أمام المنتج المصري.
وذكرت أن خطة الدولة لا تقتصر على تنفيذ مشروعات النقل الحديثة فقط، وإنما ترتكز على إنشاء منظومة صناعية متكاملة قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير للخارج، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعميق التصنيع المحلي وزيادة مساهمة الصناعة في دعم الاقتصاد الوطني.

مشروعات ضخمة بالتوازي مع بناء المصانع
وواجهت الدولة تحديًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، يتمثل في تنفيذ مشروعات النقل العملاقة بالتزامن مع إنشاء المصانع المحلية اللازمة لتوفير مكونات هذه المشروعات، بدلًا من الاعتماد الكامل على الاستيراد من الخارج.
ويقترب إجمالي تكلفة مشروعات النقل التي يجري تنفيذها يقترب من 2 تريليون جنيه، بينما بلغ حجم المكون الأجنبي في هذه المشروعات نحو 30 مليار دولار، وهو ما دفع الحكومة إلى تبني خطة عاجلة لتوطين الصناعات المرتبطة بالنقل والسكك الحديدية والجر الكهربائي.
واختارت الدولة المسار الأصعب والأكثر استدامة، من خلال تأسيس قاعدة صناعية وطنية بالتوازي مع استمرار تنفيذ المشروعات، حتى تكون المصانع المحلية جاهزة لتوفير احتياجات المشروعات الجديدة فور بدء التشغيل والإنتاج.
خفض المكون الأجنبي في مشروعات المترو
وجرى استخدام القضبان المصنعة محليًا في مصانع السويس للصلب، إلى جانب مفاتيح التحويل المنتجة داخل مصنع "فويست ألبين"، وكذلك الوحدات المتحركة التي يجري تصنيعها في مصنع "نيرك"، أدى إلى خفض تكلفة المكون الأجنبي من نحو 1.5 مليار يورو إلى 766 مليون يورو فقط.
وسيتم توجيه التوفير الذي تجاوز 700 مليون يورو، لاستكمال مراحل أخرى من المشروع، بما يعزز قدرة الدولة على تنفيذ المزيد من مشروعات النقل دون زيادة الأعباء التمويلية الخارجية.
قلاع صناعية جديدة للسكك الحديدية
ونجحت مصر خلال الفترة الأخيرة في إنشاء وتطوير عدد من القلاع الصناعية المتخصصة في قطاع السكك الحديدية، بما يشمل تصنيع القضبان والفلنكات الخرسانية وعربات القطارات وأنظمة الإشارات.
وأصبح مصنع السويس للصلب ينتج نحو 135 ألف طن من قضبان السكك الحديدية سنويًا، بينما تنتج المصانع الوطنية ما يقرب من 1.8 مليون فلنكة خرسانية سنويًا، وهو ما ساهم في تقليل فاتورة الاستيراد بشكل كبير.
ويواصل مصنع "سيماف" تصنيع عربات الركاب والبضائع، مع التوسع في تنفيذ تعاقدات جديدة لتوريد مئات العربات لصالح هيئة السكك الحديدية، إلى جانب إنشاء مجمعات صناعية متخصصة مثل مجمع "ألستوم" في برج العرب ومصنع "نيرك" بشرق بورسعيد لتلبية احتياجات مشروعات المترو والقطار الكهربائي السريع.
توطين صناعات الطرق والكباري
ولم تتوقف خطة التوطين عند السكك الحديدية فقط، بل امتدت إلى قطاع الطرق والكباري، حيث تم التوسع في تصنيع مستلزمات الطرق الحديثة محليًا، بما يشمل اللوحات الإرشادية والعلامات المرورية والدهانات والمستحلبات الأسفلتية.
وأصبحت الشركات الوطنية قادرة على إنتاج ركائز الكباري وفواصل التمدد وأنظمة تسليح التربة، وهو ما عزز قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات الطرق العملاقة بالاعتماد على الصناعة المحلية وتقليل الحاجة إلى الاستيراد.
تطوير الصناعات البحرية والنهرية
وتشارك ترسانات هيئة قناة السويس والإسكندرية والمقاولون العرب حاليًا في تنفيذ مشروعات تصنيع السفن والقاطرات، مع الاعتماد على خامات ومنتجات محلية في صناعة الهياكل المعدنية، بما يعزز مكانة مصر في مجال الصناعات البحرية.
كما يجري التوسع في تصنيع الفنادق العائمة والأتوبيسات النهرية والتاكسي النهري ضمن خطة تطوير النقل الداخلي والسياحي.
ثورة في صناعة الأتوبيسات الكهربائية
وكشف اللواء كامل الوزير وزير النقل عن توسع كبير في تصنيع الأتوبيسات الكهربائية داخل مصر، من خلال عدد من المصانع الوطنية المتخصصة، مؤكدًا أن الدولة تستهدف دعم وسائل النقل الجماعي النظيفة وتقليل الانبعاثات.
وأوضح أن شركات مصرية بدأت بالفعل في تصنيع الأتوبيسات والميني باصات الحديثة، مع التعاقد على توريد مئات الأتوبيسات للعمل ضمن مشروعات النقل الذكي، مثل الأتوبيس الترددي وربط المدن الجديدة بشبكات المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف.
وأشار إلى أن الخطة الحالية تشمل تصنيع أتوبيسات كهربائية محليًا بمكون متكامل يشمل البطاريات، في خطوة تستهدف نقل التكنولوجيا الحديثة وتوطينها داخل السوق المصرية.
هدف استراتيجي لتوفير العملة الأجنبية
وأكد الفريق كامل الوزير أن الهدف النهائي من خطة توطين صناعة النقل يتمثل في توفير ما يقرب من 10 مليارات دولار كانت تُنفق على استيراد مكونات ومعدات النقل المختلفة، إلى جانب تحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي يخدم الأسواق الأفريقية والعربية.
وشدد على أن الدولة تراهن على قدرات الصناعة الوطنية والعمالة المصرية في تحقيق طفرة حقيقية بقطاع النقل، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستشهد المزيد من التوسع في التصنيع المحلي وزيادة نسب المكون المصري في المشروعات الكبرى.
وأضاف أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة مهمة نحو بناء اقتصاد صناعي أكثر قوة واستدامة، قائم على الإنتاج والتكنولوجيا الحديثة، بما يساهم في دعم خطط التنمية الشاملة وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز تنافسية المنتج المصري في الأسواق العالمية.
توطين صناعات النقل والجر الكهربائي
من جانبه، قال الدكتور حسن مهدي، أستاذ الطرق والنقل، إن توجه الدولة نحو توطين صناعات النقل والجر الكهربائي يمثل خطوة استراتيجية مهمة لدعم الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في ظل التوسع الكبير الذي تشهده مصر في مشروعات المترو والقطارات الكهربائية والطرق الحديثة.
وأضاف مهدي في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن زيادة نسب المكون المحلي في مشروعات النقل لا تسهم فقط في خفض تكلفة المشروعات وتوفير العملة الأجنبية، لكنها تفتح أيضًا المجال أمام نقل التكنولوجيا الحديثة وتدريب الكوادر المصرية، بما يعزز قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وأكد أن تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعات النقل سيمنح السوق المصرية فرصًا كبيرة للتصدير إلى أفريقيا ودول الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.






