ذكرى الهجرة النبوية.. بعد اشتداد إيذاء المشركين للمؤمنين: حيث طال أذى المشركين جميع المسلمين مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن لهم أحد يحميهم، أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة المنورة، ذهب صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر ليخبره بذلك، ليتجهزا للرحيل، وقدّم أبو بكر راحلتين، كان قد أعدّهما لهذا السفر، واستأجر عبد الله بن أريقط، ليدلّهما على الطريق.
أول مستضيف للنبي بعد الهجرة
بعد وصول النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة المنورة مهاجرًا، أحاط به الأنصار من كل جانب، كلٌّ يمسك بزمام ناقته القصواء يرجو أن ينزل عنده، فكان يقول لهم: «دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، حتى بركت في مربد لغلامين يتيمين من بني النجار أمام بيت أبي أيوب الأنصاري، فسارع أبو أيوب فرحًا وحمل رحل النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى بيته.
إيثار أبي أيوب وتأدبه مع مقام النبوة
وتجلت عظمة الأدب وحسن الضيافة في موقف أبي أيوب وزوجته؛ حيث نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطابق السفلي من البيت لسهولة استقبال الزوار، بينما صعد أبو أيوب وزوجته إلى الطابق العلوي، ولم يطق أبو أيوب صنيعه هذا إجلالًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وشعر بالهيبة أن يكون فوق رأس رسول الله، فلم يهدأ له بال حتى رجا النبي- صلى الله عليه وسلم - وتوسل إليه أن ينتقل إلى الطابق العلوي، روى مسلم في صحيحه عن أبي أيوب: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي السُّفْلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، قَالَ: فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً، فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَنَحَّوْا فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «السُّفْلُ أَرْفَقُ». فَقَالَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْعُلْوِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ، فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْكُلْ، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ. قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ». [صحيح مسلم]
بركة طعام أبي أيوب وتكثيره بدعاء النبي
كانت ضيافة أبي أيوب حافلة بالبركات والمعجزات؛ فقد كان يصنع الطعام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبي بكر، فإذا رُدت إليه الفُضلة تتبع هو وزوجته مواضع أصابع النبي - صلى الله عليه وسلم - تبركًا بها، وفي إحدى الموائد، صنع أبو أيوب طعامًا يكفي رجلين، فطلب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو أشراف الأنصار، فدعاهم حتى أكل منه ثمانون رجلًا وفاض الطعام ببركة دعائه - صلى الله عليه وسلم.
فعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: "صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم طَعَامًا وَلِأَبِي بَكْرٍ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمَا، فَأَتَيْتُهُمَا بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي بِثَلَاثِينَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَنْصَارِ»، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ وَقُلْتُ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَزِيدُهُ، فَكَأَنِّي تَغَافَلْتُ، قَالَ: اذْهَبْ فَادْعُ لِي بِثَلَاثِينَ مِنْ أشراف الأنصار، فدعوتهم فجاؤوا فَقَالَ: «اطْعَمُوا» فَأَكَلُوا حَتَّى صَدَرُوا، ثُمَّ شَهِدُوا أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ وَبَايَعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا، ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي سِتِّينَ»، قَالَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِي ذَلِكَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا كُلُّهُمْ مِنَ الأنصار". [دلائل النبوة – البيهقي ٦ / ٩٤]
استضافة أبي أيوب للنبي
فقد كانت استضافة أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه - للنبي – صلى الله عليه وسلم - تجسيدًا حيًّا لمعاني الإيمان العميق والأدب الرفيع مع مقام النبوة، وقد نال هذا الصحابي الجليل مكرمة جعلت اسمه مقترنًا بأولى خطوات تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، وبقيت قصته منارة ملهمة للأجيال في الكرم، والإيثار، والمحبة الصادقة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم.

