في خطوة وصفت بأنها قد تمثل نقطة تحول في مسار المواجهة على الجبهة اللبنانية، وقعت إسرائيل ولبنان، برعاية الولايات المتحدة، اتفاق إطار يمهد الطريق للتوصل إلى وقف الحرب، واضعا أسسا لمرحلة جديدة تستهدف تثبيت الأمن وفتح باب المفاوضات السياسية، وسط ترقب واسع لقدرة الأطراف على تنفيذ بنوده المعقدة في ظل التحديات الميدانية والسياسية.
ويحدد الاتفاق مجموعة من المبادئ والآليات التي تهدف إلى إنهاء التصعيد العسكري، واستعادة سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، إلى جانب إطلاق جهود دولية لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده.
سلام دائم وإنهاء الصراع
وينص الاتفاق على إعادة تأكيد إسرائيل ولبنان هدفهما المشترك المتمثل في إرساء "سلام وأمن دائمين"، مع إعلان الطرفين طموحهما لإنهاء الصراع بينهما وإقامة علاقات حسن جوار، والتأكيد على حق كل دولة في الوجود بسلام.
كما ينص على أن تتم معالجة الخلافات المستقبلية من خلال مفاوضات ثنائية مباشرة، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة، مع تشكيل مجموعة تنسيق عسكري تضم ممثلين عن الحكومتين والولايات المتحدة للإشراف على تنفيذ الاتفاق ومتابعة الالتزامات الأمنية.
استعادة سلطة الدولة اللبنانية
ومن أبرز بنود الاتفاق، استعادة الجيش اللبناني سلطته السيادية على كامل الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية، وهو ما يتيح للجيش الإسرائيلي الانسحاب تدريجيا من الأراضي اللبنانية، دون أن يذكر الاتفاق اسم حزب الله بشكل مباشر.
كما تؤكد الحكومة اللبنانية رفضها لأي جهة تستخدم القوة باسم الدولة دون تفويض رسمي وصريح منها، في تأكيد على احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.
انتشار تدريجي للجيش
ويتضمن الاتفاق تنفيذ خطة مرحلية تبدأ بانتشار الجيش اللبناني في منطقتين تجريبيتين يتم تحديدهما بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، على أن يتم الانسحاب الإسرائيلي تدريجيا بالتوازي مع تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة.
وبعد نجاح هذه المرحلة، يتم توسيع التجربة إلى مناطق أخرى، وصولا إلى بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، بما يسمح بعودة المدنيين إلى مناطقهم بصورة آمنة، وبدء عمليات إعادة الإعمار بدعم من المجتمع الدولي.
تعهدات إسرائيلية
ويشير الاتفاق إلى أن إسرائيل تعتبر عملياتها العسكرية في لبنان ردا على التهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حزب الله، مؤكدة أن زوال هذه التهديدات سينهي الحاجة إلى أي وجود عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
كما تعلن الحكومة الإسرائيلية، وفق نص الاتفاق، أنها لا تمتلك أي أطماع إقليمية في لبنان.
إعادة إعمار لبنان
أما من الناحية الاقتصادية، يتعهد الجانب الأمريكي بالعمل مع شركائه الدوليين لتوفير دعم واسع للحكومة اللبنانية لإعادة إعمار المناطق المتضررة، وتأهيل البنية التحتية، وإنعاش الاقتصاد اللبناني.
وفي المقابل، يلتزم لبنان بمنع تحويل أموال إعادة الإعمار إلى أي جماعات مسلحة أو كيانات مرتبطة بها، لضمان توجيه الدعم الدولي إلى مؤسسات الدولة والمشروعات المدنية.
وفي هذا االصدد، قال عبدالله نعمة، المحلل السياسي اللبناني، إن الاتفاق الإطاري يمثل فرصة سياسية مهمة لوقف التصعيد وفتح صفحة جديدة على الحدود اللبنانية، لكنه لن يحقق أهدافه إلا إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف لتنفيذ بنوده.
وأضاف نعمة- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن نجاح الاتفاق يرتبط بقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز حضورها الأمني والعسكري في الجنوب، بالتوازي مع توفير ضمانات دولية تلزم جميع الأطراف باحترام الاتفاق ومنع أي خروقات قد تعيد المنطقة إلى دائرة المواجهة.
وأشار نعمة، إلى أن ملف إعادة الإعمار سيكون عنصرا أساسيا في تثبيت الاستقرار، موضحا أن المجتمع الدولي مطالب بتقديم دعم اقتصادي سريع للبنان، لأن الاستقرار الأمني لا يمكن فصله عن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وتابع: "المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الاتفاق على الصمود، خاصة في ظل التعقيدات الإقليمية وتشابك الملفات المرتبطة بالصراع في المنطقة، مشددا على أن نجاح الاتفاق سيعتمد على التنفيذ العملي أكثر من النصوص المكتوبة".
والجدير بالذكر، أن الاتفاق رغم أهميته السياسية، لن يكون نهاية تلقائية للصراع، بل يمثل إطارا عاما يحتاج إلى خطوات تنفيذية دقيقة وضمانات دولية وآليات رقابة فعالة، في وقت يأمل فيه اللبنانيون أن تفتح هذه التفاهمات الباب أمام إنهاء سنوات من التوتر، واستعادة الاستقرار، والانطلاق نحو إعادة بناء ما دمرته الحرب.



