قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

هل اختيار الله لك أحب إلى قلبك من اختيارك لنفسك؟.. علي جمعة يوضح معنى «القدر امتحان القلوب»

علي جمعة
علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الإيمان بالقضاء والقدر أحد أركان الإيمان، بل هو من أجلِّ مظاهر الإيمان بالله تعالى، ويتمثل أصل الإيمان بالقدر في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر 

واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه لابنه: «يا بُنَيَّ، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». ثم قال: «يا بُنَيَّ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني».

وقال رسول الله ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف».

فينبغي للمسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل ما يجري في الكون إنما يجري بعلم الله وإرادته وقدرته، وأن الله سبحانه قد كتب مقادير الخلائق من الأزل، وأنه لا خالق للأفعال على جهة الإيجاد إلا الله، مع ثبوت قدرة الإنسان وإرادته واختياره وكسبه، ومن ثَمَّ استحق التكليف والثواب والعقاب.

وفي قضية القضاء والقدر حكمة عالية، تتمثل في ابتلاء الإنسان بالرضا عن الله وبقضائه؛ فالإنسان لا يعلم ما كُتب له غدًا، ولذلك كان له أن يتمنى، وأن يسعى إلى تحقيق ما هو مباح ومشروع، وأن يأخذ بالأسباب التي أقام الله عليها نظام الكون.

فإذا لم تتحقق أمانيه، واختلف ما رتبه المخلوق لنفسه عما أراده الخالق له، ظهر صدق إيمانه؛ فإن كان ما اختاره الله له أحبَّ إليه من اختياره لنفسه، وسلَّم لله مع بذل الأسباب، فذلك المؤمن الصالح. وإن اعترض وسخط، كان عاصيًا جاهلًا، وقد يبلغ السخط بصاحبه ـ إذا انطوى على جحود حكم الله، أو اتهام حكمته وعدله ـ حدَّ الخروج من الملة، والعياذ بالله.

ولا يعني الرضا بقضاء الله ألا يحزن الإنسان أو يتألم، ولا يعني الرضا بالظلم والمعصية والفساد؛ وإنما معناه أن يرضى بالله ربًّا، وبحكمته وتقديره، مع قيامه بما أوجبه الشرع من مقاومة الظلم، وإنكار المنكر، ودفع الضرر، والأخذ بالأسباب.

فالإيمان بالقضاء والقدر هو التعبير العملي عن الإيمان بالله؛ فإن كنت تؤمن بوجود الله، وبصفات كماله وجلاله وجماله، وجب أن تؤمن بأثر هذه الصفات في أفعاله سبحانه، وأن تعلم أن أمرًا لا يخرج عن علمه وإرادته وقدرته.

ولا تنافي بين اعتقادك أن الله خالق الأفعال، وبين كونك مختارًا مريدًا؛ فإن اختيار الإنسان وإرادته أمران محسوسان لا ينكرهما عاقل، وقد أثبت القرآن للإنسان قدرةً ومشيئةً واختيارًا، فقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، وقال سبحانه: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.

فالصواب أن تثبت لنفسك فعلًا واختيارًا وكسبًا، وأن تعتقد في الوقت نفسه أن الله هو الخالق الفعَّال، وصاحب الأمر، وأن شيئًا لا يخرج عن دائرة علمه وقدرته وقهره سبحانه.

فالقدر سر الله في خلقه؛ ولذا يقول بعض العارفين، كأبي العباس الحريثي: «من نظر إلى الخلق بعين الشريعة مقتهم، ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم».

ومعنى ذلك أن العارف ينكر معاصي الخلق ومخالفاتهم من جهة الشريعة، ولكنه يرحمهم من جهة شهود ضعفهم وفقرهم وحاجتهم إلى هداية الله؛ من غير أن يُسقط عنهم التكليف، أو يتخذ القدر حجةً لتبرير المعصية.

فالعارف مستبصر بسر الله في خلقه، قائمٌ بأمر الله وشرعه، رحيمٌ بعباده.