لم تعد مواجهة السرطان في مصر تقتصر على تطوير بروتوكولات العلاج أو التوسع في إنشاء مراكز الأورام، بل أصبحت تعتمد على استراتيجية وقائية متكاملة تستهدف القضاء على مسببات المرض قبل ظهوره، وهو ما انعكس في مؤشرات دولية أظهرت تحولا لافتا في خريطة الأورام داخل البلاد، وكانت بعض أنواع السرطان تمثل تحديا صحيا كبيرا لعقود، بدأت معدلات الإصابة والوفيات في التراجع بصورة ملحوظة، في مؤشر يعكس أثر المبادرات الصحية القومية والاستثمار في الوقاية والكشف المبكر.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة والسكان، أن مصر تشهد نقلة نوعية غير مسبوقة في مواجهة مرض السرطان، بعدما سجلت أحدث تقديرات مرصد «جلوبوكان» التابع للوكالة الدولية لأبحاث السرطان بمنظمة الصحة العالمية انخفاضا ملموسا في عبء الأورام السرطانية على مستوى الجمهورية.
وأوضح خلال تصريحات له، أن مصر حققت، في ظل التوجيهات المستمرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، إنجازا صحيا تاريخيا انعكس في تراجع المعدل المعياري للوفيات الناتجة عن السرطان بنسبة 23.5%، وانخفاض المعدل المعياري للإصابات بنسبة 17.2% بين تقديرات عامي 2022 و2024.

وأوضح أن هذه الأرقام لا تعبر فقط عن مؤشرات إحصائية، وإنما تعكس نجاح الدولة في إنقاذ حياة آلاف المواطنين، ومنح الأمل لملايين الأسر المصرية، بفضل التوسع في برامج الوقاية والكشف المبكر وتحسين خدمات الرعاية الصحية.
وأشار عبدالغفار إلى أنه رغم زيادة عدد سكان مصر 9.8% خلال الفترة نفسها، فإن العدد الفعلي للحالات الجديدة انخفض من نحو 150.6 ألف حالة إلى 137.4 ألف حالة، كما تراجعت الوفيات من 95.3 ألف وفاة إلى 80.5 ألف وفاة، وهو ما يعكس نجاح السياسات الصحية الوقائية التي تبنتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن سرطان الكبد كان صاحب النصيب الأكبر من هذا التحسن، بعدما انخفضت وفياته بنسبة 22.1%، وتراجعت الإصابات به بنسبة 16.7%، وهو ما اعتبره نتيجة مباشرة للنجاح الكبير الذي حققته مبادرة رئيس الجمهورية «100 مليون صحة» في القضاء على فيروس «سي»، الذي كان يمثل السبب الرئيسي للإصابة بسرطان الكبد في مصر.
ولفت وزير الصحة إلى أن القضاء على فيروس «سي» أدى إلى تغير واضح في خريطة الأورام داخل مصر، حيث أصبح سرطان الثدي الآن الأكثر انتشارا، وهو ما يدفع الوزارة إلى التوسع في برامج الكشف المبكر عنه في مختلف المحافظات، إلى جانب استمرار الجهود للحد من سرطان المثانة، الذي واصل هو الآخر معدلات التراجع بفضل برامج مكافحة البلهارسيا الممتدة منذ سنوات.

وشدد عبدالغفار على أن هذه النتائج الإيجابية جاءت ثمرة للاستثمار الاستراتيجي في الصحة الوقائية، والمبادرات الرئاسية الكبرى، إلى جانب الجهود المتواصلة التي تبذلها الفرق الطبية، مؤكدا أن الوزارة مستمرة في دعم منظومة التسجيل السرطاني الوطني، والتوسع في برامج الفحص والكشف المبكر لضمان استمرار انخفاض معدلات الإصابة والوفيات.
من جانبه، قال الدكتور محمد عز العرب، استشاري الكبد والجهاز الهضمي وعضو الجمعية المصرية لدراسة أمراض الكبد، إن التراجع الذي أظهرته المؤشرات الدولية يعكس نجاح التحول الذي انتهجته الدولة المصرية من التركيز على العلاج فقط إلى تبني منظومة متكاملة تعتمد على الوقاية والكشف المبكر.

وأضاف العرب في تصريحات له، أن القضاء على فيروس «سي» يمثل أحد أكبر الإنجازات الصحية في تاريخ مصر، إذ أسهم بشكل مباشر في تقليل معدلات الإصابة بسرطان الكبد، الذي كان من أكثر أنواع الأورام انتشارا، مؤكدا أن استمرار برامج الفحص المبكر، والتوعية الصحية، والتسجيل الدقيق للحالات، سيعزز قدرة الدولة على خفض معدلات السرطان خلال السنوات المقبلة، خاصة مع التوسع في المبادرات الرئاسية التي تستهدف الاكتشاف المبكر للأورام وتحسين فرص العلاج والشفاء.
وأكد الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة: "أدى النجاح الكبير الذي حققته الدولة في القضاء على فيروس «سي» إلى تغير واضح في خريطة الأورام داخل مصر، حيث أصبح سرطان الثدي هو الأكثر شيوعا حاليا، الأمر الذي دفع وزارة الصحة والسكان إلى التوسع في برامج الكشف المبكر عنه ضمن المبادرات الرئاسية، بما يسهم في اكتشاف الحالات في مراحلها الأولى ورفع نسب الشفاء".

وأضاف بدران لـ "صدى البلد": "سجل سرطان الكبد تراجعا ملحوظا بعدما كان لسنوات طويلة السبب الأول للوفيات الناتجة عن الأورام في مصر، وهو ما يعكس الأثر المباشر لمبادرة رئيس الجمهورية للقضاء على فيروس «سي»، التي نجحت في الحد من أحد أهم مسببات هذا النوع من السرطان، كما شهد سرطان المثانة أيضا انخفاضا تاريخيا في معدلات الإصابة والوفيات، بفضل جهود الدولة الممتدة لعقود في مكافحة مرض البلهارسيا، إلى جانب التوسع في المبادرات القومية للكشف المبكر عن الأورام".
وتابع بدران: "سرطان المثانة من الأورام التي تظهر أعراضها في مراحل مبكرة، ما يمنح فرصة كبيرة للعلاج إذا تم اكتشافه سريعا، ومن أبرز هذه الأعراض ظهور دم في البول سواء كان واضحا بالعين المجردة أو يُكتشف بالتحاليل، حتى وإن كان بشكل متقطع، إلى جانب الشعور بألم أو حرقان أثناء التبول، وزيادة الحاجة إلى التبول بصورة متكررة وغير معتادة، فضلا عن الإحساس بثقل أو ألم مستمر في منطقة الحوض وأسفل البطن".
وقال: "تعد بعض الفئات أكثر عرضة للإصابة بسرطان المثانة، يأتي في مقدمتها المدخنون، إذ تشير الدراسات إلى أن التدخين يمثل السبب الرئيسي للإصابة بهذا المرض، ويزيد احتمالات الإصابة بمعدل يتراوح بين ثلاثة وأربعة أضعاف مقارنة بغير المدخنين، ويحتوي دخان التبغ على أكثر من سبعة آلاف مادة كيميائية، من بينها ما لا يقل عن 70 مادة مسرطنة، منها 16 مادة ترتبط بشكل مباشر بسرطان المثان".
وتابع: "وتفسر العلاقة بين التدخين وسرطان المثانة بأن المواد الكيميائية المسرطنة تنتقل بعد استنشاقها عبر الرئتين إلى مجرى الدم، ثم تقوم الكليتان بترشيحها والتخلص منها عن طريق البول، وبسبب بقاء البول داخل المثانة لساعات، تتعرض بطانة المثانة لفترة طويلة لهذه المواد السامة، ما يؤدي إلى إحداث طفرات في الحمض النووي للخلايا، فتبدأ في النمو بصورة غير طبيعية حتى تتكون الأورام، وتزداد فرص الإصابة لدى الأشخاص الذين سبق لهم الإصابة المزمنة بالبلهارسيا، والرجال الذين تجاوزوا سن الخمسين، إضافة إلى العاملين في صناعات الأصباغ والبلاستيك والمطاط، نتيجة التعرض المستمر لبعض المواد الكيميائية التي ترتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان المثانة".
وأكمل: "توفر الدولة خدمات الكشف المبكر عن الأورام من خلال المبادرات القومية، وعلى رأسها مبادرة «100 مليون صحة»، التي انطلقت في البداية للقضاء على فيروس «سي» والكشف عن الأمراض غير السارية، ثم توسعت لتشمل العديد من مبادرات الصحة العامة، من بينها الكشف المبكر عن الأورام السرطانية. كما أتاحت وزارة الصحة والسكان منصة إلكترونية لتقييم عوامل الخطورة من خلال موقع مبادرة الكشف المبكر وعلاج الأورام السرطانية، بما يساعد على اكتشاف المرض في مراحله الأولى، ويرفع نسب الشفاء ويخفض معدلات الوفيات، كذلك تنتشر المعاهد والمراكز المتخصصة في علاج الأورام، وفي مقدمتها المعهد القومي للأورام، إلى جانب المراكز التابعة لوزارة الصحة في مختلف المحافظات".
وأضاف: "الوقاية من سرطان المثانة تبدأ بالإقلاع النهائي عن التدخين بكافة أشكاله، وتجنب التعرض السلبي لدخان السجائر، مع الحرص على شرب كميات كافية من المياه يوميا لتقليل تركيز البول، والالتزام بإجراءات السلامة المهنية للعاملين في الصناعات الكيميائية، فضلا عن العلاج المبكر للبلهارسيا والتهابات المسالك البولية المزمنة، والابتعاد عن الاستخدام العشوائي لبعض الأدوية لفترات طويلة، واتباع نظام غذائي صحي غني بالخضروات والفواكه مع تقليل الأغذية المصنعة واللحوم المحفوظة، إلى جانب إجراء الفحوصات الدورية لمن لديهم تاريخ عائلي للإصابة بأورام الجهاز البولي".
وواصل: "الوقاية من سرطان الكبد فتتمثل في الحصول على لقاح فيروس التهاب الكبد الوبائي «ب»، والعلاج المبكر لمرضى الالتهاب الكبدي المزمن «ب» و«سي»، مع الامتناع عن تناول الكحول، والحفاظ على وزن صحي، والسيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، وعلاج مرض الكبد الدهني الأيضي، والإقلاع عن التدخين، وتجنب تناول الأطعمة الملوثة بسموم الأفلاتوكسين، إلى جانب إجراء الفحوصات الدورية للفئات الأكثر عرضة للإصابة، وعلاج حالات زيادة ترسب الحديد في الجسم".
وفيما يتعلق بسرطان الثدي، قال: "تؤكد وزارة الصحة أن الكشف المبكر يمثل خط الدفاع الأول، إذ يمكن أن تصل نسب الشفاء إلى نحو 98% عند اكتشاف المرض في مراحله الأولى، وتشمل وسائل الوقاية تشجيع الرضاعة الطبيعية لمدة لا تقل عن ستة أشهر، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعيا، والحد من استخدام العلاجات الهرمونية أو وسائل منع الحمل الهرمونية لفترات طويلة دون إشراف طبي، إلى جانب الإقلاع عن التدخين، واتباع نظام غذائي متوازن، والحرص على إجراء الفحص الذاتي الشهري للثدي".
وتابع: "دائما توصي وزارة الصحة السيدات فوق سن العشرين بسرعة التوجه للفحص الطبي عند ملاحظة أي أعراض غير طبيعية في الثدي، بينما ينصح بإجراء فحص الماموجرام بداية من سن 35 عاما للسيدات اللاتي لديهن تاريخ وراثي للإصابة، ومن سن 40 عاما لجميع السيدات، مع ضرورة طلب الاستشارة الطبية وإجراء الفحوصات الجينية في حال وجود تاريخ عائلي قوي للإصابة بسرطان الثدي، بما يضمن التدخل المبكر وتحسين فرص العلاج والشفاء".



