ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: أعمَل في مهنة النِّقَاشة، ويَعْلَق في يدي بعض المواد التي أستخدمها في الدهان؛ فهل لا بُدَّ من إزالة ما عَلَق بيدي قبل الوضوء أو لا؟
وقالت دار الإفتاء في إجابتها على السؤال، إن ما عليه الفتوى: أنه يُعْفَى عن بقايا المواد التي يقوم باسْتخدمها في الدَّهان إذا تعذَّر التَّحرُّز والتَّخلُّص منها إلَّا بعسرٍ شديدٍ؛ فيصحّ الوضوء مع بقائها؛ لحصول المشقة المُوجِبة للتخفيف، ولأنَّه مما عَمَّت به البلوى؛ خاصةً أنَّه لا يُوجد تَعمَّد في ذلك.
الوضوء للصلاة
وذكرت دار الإفتاء أنه من المقرَّر شرعًا أنَّ الوضوء شرط لصحة الصلاة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6].
واتفق الفقهاء على اشتراط إزالة ما يَمْنَع وصول الماء إلى الجسد ليصح الوضوء؛ على اختلافٍ بينهم في بيان المانع وصفته؛ فيشترط وصول الماء إلى جميع أعضاء الوضوء وإزالة جميع ما يَعْلَق بالأعضاء.
وتابعت دار الإفتاء: هذا هو القَدْر المتفق عليه فيما بين الفقهاء، واختلفوا فيما وراء ذلك في صور كثيرة؛ ومنها: إذا كان الحائل في محل الوضوء يسيرًا، ومنها: مَا يُشَقُّ إزالته مِن الحائل عن محل الوضوء؛ والمشقة هنا شاملة لما يكون على بَدَن أرباب المهن والصناعات؛ فإذا وجد الشخصُ حائلًا على موضعٍ من مواضع فروض الوضوء وكان الحائل يسيرًا؛ فيرى الجمهور من الفقهاء: أنَّ الوضوء غير صحيحٍ، ويلزمه إعادته؛ لأن من شروط صحة الوضوء زوال ما يمنع وصول الماء إلى الجسد لجُرْمِه كشمعٍ وشَحْمٍ وعجين وطينٍ.
بينما يرى الحنابلة أَنَّ الوضوء صحيحٌ ولو لم يَزِل الشخصُ الحائلَ؛ لأنَّ الحائل اليسير الذي يمنع وصول الماء إلى الأعضاء معفو عنه.
أمَّا مَن يَشُقُّ عليهم إزالة الحائل الذي يمنع إيصال الماء للبشرة، ومِنْهم أرباب المهن والصناعات الذين يَشُقُّ عليهم إزالة آثار مهنتهم؛ كالجزَّار والنَّقَّاش ونحوهم؛ فقد نَصَّ الفقهاء على أنَّه معفو عنه.
ووجه العفو عَمَّا يَشُقُّ إزالته مِن الحائل الذي يمنع إيصال الماء للبشرة حصول المشقة الـمُوجِبة للتخفيف؛ فقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": «وَمَا أَمَرْتُكُمْ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».

