قد يبدو عام 2028 مجرد رقم على التقويم، لكنه بالنسبة إلى سياسيين ومستثمرين وقادة شركات التكنولوجيا قد يحمل شيئًا مختلفا تمامًا فخلال هذا العام، قد تتقاطع مسارات تبدو اليوم منفصلة، من الذكاء الاصطناعي والاقتصاد إلى الإعلام، لتشكل لحظة فارقة تعيد رسم ملامح الحياة اليومية وطريقة العمل والتصويت وحتى الحصول على الأخبار.
لا يتعلق الأمر بتنبؤ بنهاية العالم أو بحدث واحد سيقلب النظام العالمي رأسًا على عقب، وإنما بسلسلة من التحولات التي تتسارع الآن، وقد تصبح أكثر وضوحًا وتأثيرًا بحلول 2028.
وفي تحليل نشره موقع «أكسيوس» تحت عنوان «كل شيء يتقاطع في 2028»، يبرز العام باعتباره نقطة محتملة لالتقاء موجات سياسية واقتصادية وتكنولوجية تتطور حاليًا كل منها على حدة، قبل أن تبدأ آثارها في الظهور بصورة أكثر ترابطًا.
الذكاء الاصطناعي من شاشة الكمبيوتر إلى قلب الاقتصاد
ربما يكون التحول الأكثر إثارة هو ذلك الذي يحدث في عالم الذكاء الاصطناعي فالتكنولوجيا التي عرفها المستخدمون في صورة روبوتات محادثة وأدوات لكتابة النصوص وتحليل البيانات، تتجه بسرعة إلى ما هو أبعد من الشاشات، لتدخل المصانع وشبكات الطاقة والمرافق والمناجم وسلاسل الإنتاج.
وبحسب تقرير لبنك «غولدمان ساكس» أورده «أكسيوس»، قد تصل الاستثمارات العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل مراكز البيانات والطاقة والقدرات الحاسوبية، إلى نحو 7.6 تريليون دولار بين عامي 2026 و2031.
وهنا تكمن المفاجأة؛ إذ إن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد قصة شركات الرقائق والبرمجيات فقط، بل بدأت تمتد إلى قطاعات تقليدية مثل الكابلات ومواد البناء والدهانات وتجهيزات مراكز البيانات.
بمعنى آخر، قد يصبح الذكاء الاصطناعي محركًا جديدًا للاقتصاد الحقيقي، وليس مجرد ثورة رقمية داخل وادي السيليكون.
2028 عندما يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة الانتخابات
إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد، فإن تأثيره السياسي قد يكون أكثر حساسية.
في الولايات المتحدة، سيشهد عام 2028 انتخابات رئاسية جديدة، لكن الناخبين قد يدخلونها في بيئة إعلامية وسياسية مختلفة جذريًا عن الانتخابات السابقة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات هائلة من بيانات الناخبين، وتحديد اهتمامات مجموعات صغيرة منهم، وصياغة رسائل سياسية مخصصة لكل فئة.
لكن الوجه الآخر أكثر غموضًا فالتكنولوجيا نفسها قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة، وإنشاء رسائل سياسية على نطاق واسع، بل وربما التأثير في الطريقة التي يتلقى بها الناخب معلوماته عن المرشحين والقضايا.
وقد بدأت ملامح هذا المستقبل تظهر بالفعل مع استخدام محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي في الإعلانات السياسية ومحاولات التأثير في إجابات نماذج الذكاء الاصطناعي بشأن المرشحين والقضايا العامة.
هل يختفي الموقع الإخباري من المشهد؟
على الجانب الآخر، يلوح تحول كبير في صناعة الإعلام فالجمهور انتقل خلال السنوات الماضية من الصحف إلى المواقع الإلكترونية، ثم إلى شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو. والآن يظهر منافس جديد: مساعد الذكاء الاصطناعي.
ويشير تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى استمرار انتقال استهلاك الأخبار نحو منصات التواصل والفيديو، بالتزامن مع نمو استخدام روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وهذا يضع المؤسسات الإعلامية أمام سؤال صعب إذا كان المستخدم يستطيع الحصول على ملخص الخبر أو تفسيره أو الإجابة عن سؤاله عبر مساعد ذكي، فما الذي سيدفعه إلى زيارة الموقع الإخباري نفسه؟
المشكلة لا تتوقف عند فقدان الجمهور، فهناك تحدٍ آخر يتعلق بالدقة. إذ يمكن لإعادة صياغة الأخبار بواسطة الأنظمة الذكية أن تختصر السياق أو تغير المعنى أو تقدم معلومات بصورة غير دقيقة.
وبذلك قد تصبح المعركة المقبلة في الإعلام ليست فقط على من يملك الخبر، وإنما على من يملك بوابة الوصول إلى عقل القارئ.
اقتصاد جديد وفجوة قد تتسع
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن الاقتصاد العالمي فالذكاء الاصطناعي قد يرفع الإنتاجية ويخلق قطاعات جديدة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يوزع المكاسب بصورة غير متساوية، بحيث تذهب حصة أكبر إلى الشركات العملاقة وأصحاب رؤوس الأموال والعمال ذوي المهارات التقنية المتقدمة.
وفي المقابل، قد تواجه فئات أخرى ضغوطًا على الأجور أو تهديدًا لوظائفها، بالتزامن مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وأعباء الديون العامة.
وتزداد المخاطر إذا تزامنت هذه التحولات مع تباطؤ اقتصادي أو أزمة طاقة أو توترات جيوسياسية، ما قد يضع الحكومات أمام خيارات أكثر صعوبة.
لكن لماذا 2028 بالذات؟
لا توجد دراسة علمية تقول إن العالم سيتغير فجأة في عام 2028، ولا توجد ساعة تعد تنازليًا نحو لحظة انقلاب عالمي.
لكن أهمية العام تأتي من التقاء عدة مسارات في توقيت واحد وهي توسع هائل في استثمارات الذكاء الاصطناعي، وانتقال التكنولوجيا إلى قطاعات اقتصادية أكثر اتساعًا، وتغير عادات الجمهور في الحصول على المعلومات، إلى جانب ضغوط اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.
كل هذه العوامل قد تجعل 2028 عامًا يبدو مختلفًا عما سبقه.



