رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الأحد، خطة جديدة بشأن مستقبل قطاع غزة تتضمن 15 بندًا، في موقف يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويأتي في توقيت حساس قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
وأثار الرفض الإسرائيلي اهتمام وسائل الإعلام الدولية، التي ركزت على التداعيات السياسية للقرار، في ظل ما وصفته تقارير غربية بحملة انتخابية صعبة يخوضها نتنياهو، واحتمال تأثير ملفي الحرب في غزة وإيران على مستقبله السياسي.
ووصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الموقف بأنه «خلاف علني نادر» بين نتنياهو وترامب، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما شهدت خلال الفترة الماضية تعاونًا وثيقًا، لكنها لم تخلُ من الخلافات والتوترات.
كما أشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو يواجه تحديات سياسية داخلية، رغم تعهده بتحقيق «نصر كامل» على حركة حماس، في وقت لا تزال فيه الحركة تسيطر على أجزاء من قطاع غزة.
لماذا قبلت إسرائيل «خطة النقاط الـ20» ورفضت «النقاط الـ15»؟
تكشف تفاصيل الخطتين عن اختلافات جوهرية في آليات تنفيذ الترتيبات الخاصة بقطاع غزة، ولا سيما فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، ودور الجهات الدولية في إدارة القطاع.
ففي أكتوبر من العام الماضي، وافقت إسرائيل على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة. وشملت الخطة وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، إلى جانب التزام إسرائيل بعدم احتلال غزة أو ضمها.
وبحسب الخطة السابقة، كان من المقرر أن تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من القطاع وفق مراحل وشروط يتم الاتفاق عليها بين الجيش الإسرائيلي والقوة الدولية ودول عربية والولايات المتحدة، على أن يتم في النهاية تسليم قطاع غزة بالكامل إلى الجهات المعنية، مع الإبقاء على وجود أمني إسرائيلي محيطي إلى حين التأكد من زوال التهديدات الأمنية.
كما نصت الخطة على أن تصبح غزة منطقة منزوعة السلاح وخالية من الإرهاب، وأن تتولى لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية إدارة الشؤون اليومية للقطاع بصورة مؤقتة، تحت إشراف «مجلس السلام» الدولي.
أما الخطة الجديدة، المكونة من 15 بندًا، فتضع إطارًا أكثر تفصيلًا ومراقبة دولية لتنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية، بما يشمل انسحاب إسرائيل الكامل من قطاع غزة، ونزع سلاح الفصائل المسلحة، ونقل مسؤوليات الحكم المدني والأمني إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة».
خطة النقاط الـ15.. انسحاب إسرائيلي ونزع سلاح الفصائل
تنص الخطة الجديدة على أن تلتزم جميع الأطراف مجددًا بالخطة الشاملة التي طرحها ترامب لتحقيق السلام في غزة، بهدف إنهاء الحرب، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة إعمار القطاع، وتوفير الأمن والخدمات، وفتح مسار سياسي يؤدي إلى تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية.
وتطالب الخطة إسرائيل باستكمال الالتزامات المتبقية بموجب اتفاق شرم الشيخ، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية، بالتوازي مع التزام حماس والفصائل الفلسطينية بوقف جميع العمليات العسكرية.
وبعد موافقة الأطراف على الخطة، يُفترض إعداد جدول زمني وآليات تنفيذ خلال 14 يومًا، مع إمكانية تمديد هذه المهلة بقرار من لجنة التحقق الدولية.
وبمجرد الانتهاء من آليات التنفيذ، تدخل «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» إلى القطاع وتبدأ ممارسة مسؤولياتها.
وتشترط الخطة الانتقال إلى كل مرحلة جديدة بإتمام الالتزامات المتفق عليها في المرحلة السابقة والتحقق منها، على أن تتولى لجنة التحقق الدولية مراقبة أي خروقات من جانب الأطراف.
كما تنص على نقل جميع مسؤوليات الحكم المدني والأمني في غزة إلى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، مع التأكيد على استقلالها وعدم تدخل الفصائل الفلسطينية في عملها خلال المرحلة الانتقالية.
«حكومة واحدة.. قانون واحد.. سلاح واحد»
ومن أبرز بنود الخطة الجديدة اعتماد مبدأ «حكومة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد» في قطاع غزة.
وتقضي الخطة بإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية والشرطية، مع إخضاع أفراد الشرطة لعمليات فحص وتدقيق، وتدريب عناصر جديدة ودمجهم في الأجهزة القائمة.
وفيما يتعلق بالسلاح، تنص الخطة على بدء عملية إخراج الأسلحة الثقيلة ومواقع تصنيع السلاح ومستودعاته والأنفاق من الخدمة، بعد استكمال الالتزامات المتبقية بموجب اتفاق شرم الشيخ، ودخول لجنة إدارة غزة إلى القطاع، وانتشار قوة الاستقرار الدولية.
ويرتبط تنفيذ عملية نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، وصولًا إلى تفكيك الميليشيات المسلحة.
كما تنص الخطة على إخراج أسلحة الفصائل من الخدمة وتخزينها تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع عدم دمج عناصر الفصائل المسلحة في أجهزة الأمن والشرطة.
قوة دولية للإشراف على وقف إطلاق النار
وتتضمن الخطة نشر قوة استقرار دولية مؤقتة في قطاع غزة، مهمتها الفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الخاضعة لإدارة اللجنة الوطنية.
ولا تتولى القوة الدولية مهام الشرطة أو التدخل في المجتمع الفلسطيني، لكنها ستراقب الالتزام بوقف إطلاق النار، وتدعم تدريب الشرطة الفلسطينية، وتحمي المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية، وتقدم الدعم للجنة إدارة غزة في المهام التي لا تتعلق بالعمل الشرطي.
كما تنص الخطة على انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من القطاع وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه، وبما يتوافق مع آليات تنفيذ خطة السلام، مع التأكيد على عدم إجبار أي فلسطيني على مغادرة غزة.
ماذا تضمنت الخطة التي وافقت عليها إسرائيل سابقًا؟
الخطة الأمريكية السابقة ذات النقاط الـ20 كانت أكثر تركيزًا على وقف الحرب وإطلاق سراح المحتجزين وتهيئة مرحلة انتقالية لإدارة القطاع.
فقد نصت على وقف جميع العمليات العسكرية، وتجميد خطوط القتال، ثم تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي بعد استيفاء الشروط المطلوبة.
كما تضمنت إعادة جميع المحتجزين الإسرائيليين، أحياءً وأمواتًا، خلال 72 ساعة من إعلان إسرائيل قبول الاتفاق، مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين.
وتضمنت الخطة كذلك إدخال مساعدات إنسانية واسعة إلى غزة، وإعادة تأهيل البنية التحتية والمستشفيات والمخابز وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إضافة إلى إزالة الركام وفتح الطرق.
وكان من المقرر أن تتولى لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية إدارة القطاع مؤقتًا، تحت إشراف «مجلس السلام»، إلى حين استكمال إصلاحات السلطة الفلسطينية وقدرتها على إدارة غزة بصورة فعالة وآمنة.
كما تضمنت الخطة برنامجًا لإعادة إعمار القطاع وتنشيط اقتصاده، وإنشاء منطقة اقتصادية خاصة، إلى جانب التأكيد على أن مغادرة غزة ستكون اختيارية، وأن من يغادر يمكنه العودة.
نقطة الخلاف الأساسية
ورغم أن الخطتين تشتركان في عدد من المبادئ، وعلى رأسها نزع سلاح الفصائل وإعادة إعمار غزة ووجود إشراف دولي، فإن الخطة الجديدة تبدو أكثر وضوحًا في ربط الانسحاب الإسرائيلي بمسار محدد لنزع السلاح ونقل السيطرة إلى جهات فلسطينية ودولية.
وهنا تحديدًا يظهر سبب الرفض الإسرائيلي.
فنتنياهو شدد في بيانه على أن الجيش الإسرائيلي «لن ينفذ أي انسحاب قبل نزع سلاح حماس»، بينما تضع الخطة الجديدة عملية نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي ضمن مسار متدرج يخضع لرقابة دولية.
وتشير التغطية الدولية إلى أن هذا الخلاف لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، إذ يواجه نتنياهو ضغوطًا من شركائه في الائتلاف اليميني، فيما تتجه الأنظار إلى الانتخابات المقبلة وتأثير ملف الحرب في غزة على مستقبل حكومته.
وفي المقابل، رحب وزراء وأعضاء من اليمين الإسرائيلي المتشدد بموقف نتنياهو الرافض للخطة، حيث شدد وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على ضرورة عدم تراجع الجيش الإسرائيلي «ولو مليمترًا واحدًا» في قطاع غزة.
وبذلك، يبدو أن الفارق بين «النقاط الـ20» التي قبلتها إسرائيل سابقًا و«النقاط الـ15» التي رفضتها حاليًا لا يتعلق بعدد البنود فقط، بل بالترتيبات العملية للانسحاب الإسرائيلي، وآلية نزع سلاح الفصائل، وحجم الدور الدولي والفلسطيني في إدارة قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة.



