في منطقة القرنة بالبر الغربي لمحافظة الأقصر، يلفت مسجد قرية حسن فتحي الأنظار بطريقة مختلفة عن كثير من المباني التي تحيط به، فالمكان لا يعتمد على الضخامة أو الزخارف الكثيرة حتى يفرض حضوره، وإنما يستمد قيمته من تصميم يحمل في كل جزء منه فكرة معمارية واضحة.
وراء هذا المسجد حكاية بدأت قبل عشرات السنين، عندما طرح المهندس حسن فتحي رؤيته لإنشاء مجتمع جديد في القرنة، يقوم على توفير احتياجات السكان داخل قرية متكاملة، مع الاستفادة من طبيعة البيئة والخامات الموجودة فيها.
ولذلك جاء المسجد ضمن مكونات القرية الأساسية، إلى جانب المنازل والمدارس والسوق والمسرح وبعض المنشآت الخدمية، ليكون جزءا من الحياة اليومية للسكان وليس مبنى معزولا عن محيطه.
وتختلف تجربة حسن فتحي عن فكرة تشييد مبان متشابهة في كل مكان، إذ كان يبحث عن تصميم يناسب المنطقة التي يقام فيها المبنى، ويستفيد من مواردها، ويتعامل مع طبيعتها المناخية والاجتماعية.
ويكشف مسجد قرية حسن فتحي عن هذه الرؤية من خلال استخدام الطوب اللبن وعدد من تقنيات البناء التقليدية، مع حضور واضح للقباب والأقبية، وهي عناصر أعطت المبنى شخصية مميزة تتناسب مع الطابع العام للقرية.
ومن قلب هذه التفاصيل، تبدو قيمة المسجد أكثر وضوحا بالنسبة لأبناء المكان الذين عايشوا مباني القرية عن قرب، ومن بينهم المخرج المسرحي “أحمد يوسف الجمل”، أحد سكان قرية حسن فتحي والمجاورين للمسجد.
ويرى “الجمل” أن المسجد بالنسبة لأبناء القرية ليس مجرد مبنى قديم أو أحد المعالم التي يقصدها الزائرون، وإنما جزء من المشهد اليومي الذي اعتادوا عليه، وهو ما يمنحه قيمة خاصة تختلف عن نظرة الزائر العابر للمكان.
وبعينه كمخرج مسرحي، يلفت “الجمل” إلى أن المسجد يحمل تكوينا بصريا شديد الخصوصية، فالعلاقة بين القباب والكتل والجدران والفراغات، إلى جانب حركة الضوء والظل، تمنح المكان حالة تشبه المشهد المسرحي المفتوح الذي تتغير تفاصيله على مدار اليوم.
ويضيف أن قربه من المسجد جعله أكثر ارتباطا بتفاصيل المكان، مؤكدا أن جمال قرية حسن فتحي لا يرتبط فقط بشكل مبانيها، وإنما في الإحساس الذي تتركه في النفس، وفي قدرتها على الحفاظ على روح مختلفة وسط التغيرات التي شهدتها المناطق المحيطة بها.
واللافت أن جمال المسجد لا يأتي من كثرة التفاصيل الزخرفية، وإنما من طريقة توزيع الكتل والمساحات، ومن العلاقة بين المئذنة والقباب والأقبية، فضلا عن تأثير الضوء والظل على واجهات المبنى.
وتظهر المئذنة كعنصر رأسي بارز بالقرب من منطقة الدخول، بينما تتوزع باقي أجزاء المسجد في تكوين أكثر هدوءا، لتشكل في النهاية مشهدا معماريا متوازنا يجمع بين الطابع الإسلامي والخصوصية المحلية للمنطقة.
وكان اختيار المواد المحلية جزءا من فلسفة أكبر لدى حسن فتحي، تقوم على إمكانية الوصول إلى عمارة جيدة دون الاعتماد على حلول مرتفعة التكلفة، مع منح المجتمع المحلي فرصة للاستفادة من مهارات البناء المتوارثة والخامات المتاحة في البيئة المحيطة.
ومن هنا لم يعد مسجد قرية حسن فتحي مجرد مبنى يؤدي وظيفة دينية، وإنما أصبح مع مرور الوقت جزءا من هوية القرية نفسها، وعلامة يمكن من خلالها فهم جانب من التجربة التي ارتبطت باسم حسن فتحي.
وتأتي أهمية القرية من كونها واحدة من أشهر التجارب التي جسدت أفكار حسن فتحي حول العمارة المرتبطة بالإنسان، وهي الأفكار التي عرفها العالم بصورة أوسع من خلال كتابه الشهير «عمارة الفقراء».
فالفكرة لم تكن مجرد بناء مساكن جديدة، وإنما محاولة تقديم نموذج مختلف للحياة، تكون فيه القرية أكثر ارتباطا باحتياجات سكانها، وتكون المباني نابعة من البيئة وليست دخيلة عليها.
ومع مرور السنوات، أصبحت قرية حسن فتحي مقصدا للمهتمين بالعمارة والتراث، كما ارتفعت أهمية الحفاظ على مبانيها باعتبارها جزءا من تاريخ العمارة المصرية الحديثة.
ويظل المسجد واحدا من أبرز معالم القرية، لأنه يجمع بين وظيفته الأصلية وقيمته المعمارية والتاريخية، ويقدم صورة واضحة عن أسلوب حسن فتحي في التعامل مع الخامة والفراغ والضوء.
ويبقى مسجد قرية حسن فتحي نموذجا لعمارة اختارت أن تبحث عن جمالها في البساطة، وأن تجعل الخامة المحلية جزءا من هويتها، وأن تربط المبنى بالمجتمع الذي نشأ حوله.














