قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: متعة العطاء

د. عصام محمد عبد القادر - رئيس قسم المناهج بـ كلية التربية - الأزهر
د. عصام محمد عبد القادر - رئيس قسم المناهج بـ كلية التربية - الأزهر

ترتبط متعة العطاء بحوز وجدان صافي وسريرة نقية؛ إذ يصبح شعورنا مرتهنا بسعادة الآخرين وبهجة قلوبهم ورضاهم وابتسامتهم وهنا نتجاوز المادية في إطارها البحت، وننطلق نحو آفاق إنسانية أرحم وأوسع، تضيء عتمة الدرب في صدورنا ولكل من يشعر بالعوز؛ ومن ثم تنغمر القلوب بفيض من السكينة التي لا تقدر بثمن، ولنجتمع على مسلمة أن النفوس الكريمة تجد ذاتها في بذل المعروف؛ إذ إنها تدرك بالفطرة ماهية البهجة الحقيقية التي تولد حين تشرق الابتسامة على وجوه الآخرين، لتتلاشى معها قسوة الاحتياج وتستحيل الحياة واحة حب يفيض ماؤها عذبا زلالا على كل ظمآن يترقب لحظة غوث أو التفاتة أمل.
ينداح شعور الغبطة ليغمر صاحب العطاء بالسعادة الغامرة ويقين الرضا، جراء أداء رسالة إنسانية نبيلة تتمثل في مد يد العون والمشاركة لأصحاب الحاجة، سواء بالدعم المادي الذي يخفف قسوة العوز ويلبي الاحتياجات الأساسية ويخرج من المأزق، أو بلطف المعاملة وإبداء المحبة المفعمة بقبول الآخر، والتي تصل إلى شغاف القلوب بلا استئذان؛ فتبرأ الجراح وتطيب النفوس المكسورة، وتستعيد الحياة ألقها المفقود حين يتسابق الجميع نحو ارتياد دروب الخير وبذل المعروف، دون تطلّع لمكسب أو انتظار لثناء دنيوي زائل.
تتقد روح الإنسان وتصل إلى مرحلة السمو والاتزان المستدام مع عقله حين تمتد يده للآخرين، مقدمة كل ما يدخل السرور والبهجة إلى قلوبهم في خضم مشاعر جياشة ومحبة تقوم على الصفاء ويترجمها حسن الممارسة ولطف المعاملة المستمدة من صلاح السريرة والشعور الحقيقي بالمسؤولية تجاه استقرار المجتمع وبنائه، وتلك حالة تؤمن بفلسفة التماسك والاندماج الاجتماعي، لتشكل قاعدة رباط توحد الشعور تجاه الوطن وتعزز فكرة الشراكة التي بها نحفظ ترابه ونعمل على تنميته وتقدمه نحو معارج الرقي والازدهار.
ينبني العطاء النابع من كرم القلب على السماحة في منأى عن جني الثمار أو حيازة المكاسب أو انتظار الامتنان، مما يحقق للمرء رضا ذاتيًا مستدامًا لا تنال منه المواقف بغض النظر عن صعوبتها، ولا تغيره ظروف الأيام وتقلباتها؛ فالمعطاء تراه يبذل جل طاقته ووقت جهده في مؤازرة المحتاجين، وتعزيز أواصر التراحم والتضامن المجتمعي، منطلقًا من يقين راسخ بأن بقاء الأمم ونهضتها إنما يرتكز على تكاتف أبنائها وتضامنهم في السراء والضراء، لتبقى راية الإنسانية خفاقة عالية في سماء المجد وواحة الفضيلة.
ترتوي أرواح أفراد المجتمع بالسعادة والوجدان النقي عندما تتكامل صور العطاء المادي والمعنوي لتصبح حالات العوز في أدنى مستوياتها، وهنا تتدافع النفوس الطيبة لدروب الخير متخفة من أدران الأنانية وحب الذات، لتتعاظم فكرة الواجب الاجتماعي، وتغرس قيم الولاء والانتماء التي يعم بها الأمن والأمان والاستقرار، وتتعدد هذه المشاهد لتشمل عطاء العلم والمعرفة، الذي يضيء دروب الآخرين ويهديهم إلى سبل الرشاد، وينير تلافيف عقولهم بضياء الفهم ونبراس البصيرة، مما يجعل المجتمع بأسره كتلة متماسكة، تواجه التحديات بروح واحدة وقلب ينبض بالحب والوفاء.
ترفع ممارسات البذل منزلة الإنسان المعنوية وتتجاوز القيمة المادية بفضل صفاء الوجدان وإدراك الأثر الإيجابي العميق في نفوس الآخرين، حين يرى المعطاء ثمرة غرسه تتفتح بشرًا وسرورًا على وجوه المحتاجين والضعفاء، وتتعزز أطر التواصل الإيجابي لتؤدي إلى ترابط النسيج المجتمعي بصورة تلقائية، تعبر عن أصالة المعدن ونقاء السريرة، وتؤكد أن الفرد بقدر ما يعطي بقدر ما يأخذ من رصيد المحبة والتقدير والاحترام في قلوب الناس، وهو ما يمنحه ارتياحًا وشعورًا دائمًا بالرضا والطمأنينة.
تحدث جذور العطاء اشتياقًا في النفس، يراه الإنسان منا في صور إسعاد من يترقب الأمر بشغف وأمل كبيرين، ليجد في اليد الممدودة طوق نجاة يخرجه من ضيق الحال إلى سعة الأمل، ومن وحشة الوحدة إلى دفء الجماعة، وهنا نضمن توافر حالة إيجابية من الاتزان والانسجام بين الروح والعقل، قد تصل بالفرد إلى مرحلة السمو التي تجعله يرى الوجود من منظور أوسع وأشمل؛ إذ يدرك أن سعادته الفردية إنما تنبع من سعادة الجماعة والتئام شملها على محيض الحب والخير.
هلموا بنا نرسخ أركان الواجب الاجتماعي في أعماق نفوسنا عبر ممارسات نبيلة تعلي من قيمة العطاء، لنزيل عن قصد محمود كافة صور الفوارق المادية، ونذيب عن عمد وترصد كل شوائب الشحناء والبغضاء التي تفتت عضد المجتمع، وهيا نمضي نحو وحدة الجهود التي عند بوابتها تلتقي الإرادات الخيرة وتتآلف القلوب الطاهرة على طاعة الخالق وخدمة العباد بإخلاص، كي ننعم جميعًا بسلام دائم يغمر الأرجاء، ونعيش معًا حياة كريمة مفعمة بالحب والإيثار الذي يسمو بأرواحنا نحو مرفأ الفضيلة.