أطلق صانع المحتوى كريم محمد، حملة بشأن الهوية البصرية للسياحة في محافظات مصر وحققت رواجا كبيرا على موقع التواصل الاجتماعي انستجرام، مؤكدا أن السياحة لم تعد تعتمد فقط على المعالم الأثرية والشواطئ والمناظر الطبيعية، بل أصبحت الصورة التي تقدم بها المدينة نفسها جزءًا أساسيًا من تجربة السائح.
وتقوم فكرة الحملة على أنه قبل أن يزور المسافر أي مكان، غالبًا ما يتعرف إليه من خلال صورة أو لون أو مبنى أو شارع أو شعار أو مشهد يتكرر في الصور والمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية الهوية البصرية للمدن المصرية باعتبارها عنصرًا يمكن أن يربط بين التاريخ والمكان والإنسان، ويمنح كل مدينة شخصية واضحة تميزها عن غيرها، خصوصًا في بلد يمتلك تنوعًا جغرافيًا وثقافيًا وحضاريًا نادرًا.
من الأهرامات إلى شوارع القاهرة.. الصورة جزء من الرحلة
تمتلك مصر مجموعة من أشهر الرموز البصرية في العالم؛ فالأهرامات وأبو الهول ترتبط ذهنيًا بمدينة الجيزة، بينما ترتبط القاهرة القديمة بالمآذن والقباب والأزقة والأسواق التاريخية، وتتميز الإسكندرية بالبحر والكورنيش والمباني ذات الطابع المتوسطي، في حين تحمل الأقصر وأسوان ملامح مختلفة ترتبط بالحضارة المصرية القديمة والنيل والعمارة المحلية.
وبحسب كريم محمد، هذه العناصر لا تمثل مجرد خلفية للصور، وإنما يمكن أن تتحول إلى مكونات أساسية لهوية المدينة السياحية، عندما يجري الحفاظ عليها وتقديمها بصورة متناسقة في اللافتات والميادين والممرات والمناطق السياحية ووسائل النقل والمواد الدعائية.
يختزل البعض مفهوم الهوية البصرية في تصميم شعار للمدينة، إلا أن الأمر أوسع بكثير، فالهوية يمكن أن تشمل الألوان والخطوط والرموز والزخارف واللافتات وتصميم الشوارع وطريقة عرض المعلومات وحتى أسلوب الإضاءة والفراغات العامة.
وعندما تتكامل هذه العناصر، بحسب كريم محمد، يصبح من الممكن أن يتعرف الزائر على المدينة من تفاصيلها قبل أن يقرأ اسمها، وهنا تظهر قيمة الهوية البصرية في التسويق السياحي؛ فالسائح الذي يرى صورة لشارع أو ميدان أو مبنى مميز يمكن أن يربطها مباشرة بالمكان، وهو ما يزيد من قابلية المدينة للتذكر والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
القاهرة.. مدينة متعددة الوجوه
تقدم القاهرة نموذجًا شديد الخصوصية؛ فهي مدينة تجمع بين التاريخ الإسلامي والقبطي والمصري القديم والعمارة الحديثة والحياة الشعبية المعاصرة، لكن هذا التنوع يمثل في الوقت نفسه تحديًا بصريًا، لأن المدينة تحتاج إلى الحفاظ على تعدد شخصياتها دون أن تفقد ملامحها الأساسية.
ومن الممكن أن تصبح مناطق مثل القاهرة التاريخية، وشارع المعز، ومصر القديمة، ومناطق وسط البلد، جزءًا من منظومة بصرية متكاملة، بحيث يحمل كل نطاق خصوصيته مع وجود رابط بصري يجمع المدينة كلها.
الإسكندرية.. البحر كعلامة لا تتكرر
في الإسكندرية، يمكن للبحر أن يلعب دورًا محوريًا في تشكيل الهوية البصرية، فالكورنيش والميناء والمباني التاريخية والحدائق والمقاهي المطلة على المتوسط تشكل مشهدًا بصريًا يختلف عن القاهرة أو الأقصر.
والاستفادة من هذه الخصوصية لا تعني وضع رموز بحرية بشكل عشوائي، وإنما بناء صورة متكاملة تعكس علاقة المدينة بالمتوسط، وتستفيد من تاريخها الثقافي والمعماري الممتد.
الأقصر وأسوان.. حين تصبح الحضارة لغة بصرية
في مدن الصعيد السياحية، تبدو العلاقة بين الهوية البصرية والسياحة أكثر وضوحًا، لأن المكان نفسه يحمل إرثًا حضاريًا استثنائيًا.
الأقصر يمكن أن تستند بصريًا إلى علاقتها بالمعابد والآثار والنيل، بينما تمتلك أسوان شخصية مختلفة ترتبط بالنيل والجزر والطبيعة والعمارة النوبية.
والتحدي هنا هو تقديم هذه الرموز بصورة عصرية تحافظ على أصالتها، دون تحويل الهوية المحلية إلى مجرد زخارف سياحية متكررة.
الهوية البصرية ودعم الاقتصاد المحلي
لا تتوقف أهمية الهوية البصرية عند جذب السائح، بل يمكن أن تمتد إلى الاقتصاد المحلي، وفقا لكريم محمد، فعندما تصبح المدينة معروفة بصورة واضحة، يستطيع أصحاب المشروعات الصغيرة الاستفادة من هذه الهوية في منتجاتهم وحرفتهم وتصميم متاجرهم وموادهم الدعائية.
وقد تتحول بعض الرموز المحلية إلى عناصر على المنتجات التذكارية، أو العبوات، أو الخرائط، أو وسائل النقل السياحي، وهو ما يخلق ارتباطًا بين تجربة الزائر والاقتصاد المحلي.
الخطوة الأهم ليست في تصميم شعار جذاب، وإنما في جعل الهوية البصرية حاضرة في تجربة السائح منذ لحظة وصوله، فاللافتة التي يراها في المطار، وطريقة تصميم الطريق، والخريطة السياحية، والمعلومات الموجودة في المواقع الأثرية، وتصميم أماكن الجلوس، والإضاءة الليلية، وحتى المواد التي يحصل عليها الزائر، يمكن أن تعمل معًا كأجزاء من قصة واحدة.
وبذلك تتحول المدينة من مجرد مكان يزوره السائح إلى تجربة متكاملة يسهل تذكرها والتعرف عليها.





