اكتسب ملف المرافق أهمية قصوى في توجهات الدولة المصرية نحو التنمية العمرانية التي شهدتها البلاد منذ تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، إذ أصبحت المرافق وتجهيز البنية الأساسية الخطوة الأولى لإطلاق مشروعات التنمية في مختلف المجالات، بل بات ركيزة أساسية فى نجاح المشروعات التنموية.
وقد برز هذا التوجه ضمن الموضوعات المطروحة للنقاش في منتدى مصر 2026، ولا سيما جلسة التنمية الحضرية والعمرانية، التي تناولت قضايا تطوير المدن القائمة، والتوسع في المجتمعات العمرانية الجديدة، والارتقاء بمستوى الخدمات، بما يعزز التكامل بين التخطيط العمراني والاستثمار وتحسين جودة الحياة.
فلم تعد مشروعات المرافق والبنية الأساسية مجرد مكون خدمي يواكب التوسع العمراني، بل أصبحت أحد المحددات الرئيسية لقدرة المدن على استيعاب الزيادة السكانية، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وهو ما يضع كفاءة شبكات المياه والصرف الصحي والطرق وتحلية المياه في صدارة الملفات المرتبطة بمستقبل العمران المصري.
وتقدم مؤشرات وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية صورة لحجم التحول الذي شهده قطاع المرافق خلال الفترة من 2014 إلى 2026، كما تكشف عن طبيعة التحديات المرتبطة بالانتقال من التوسع في إنشاء الشبكات والمنشآت إلى ضمان كفاءة تشغيلها واستدامة خدماتها.
وفي هذا السياق، بلغت الاستثمارات الإجمالية لمشروعات مياه الشرب والصرف الصحي التي جرى تنفيذها واستكمالها خلال الفترة المذكورة 635.1 مليار جنيه، في انعكاس لحجم الموارد التي وُجهت لتطوير أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين، وتلبية المتطلبات الأساسية لإقامة مجتمعات عمرانية قادرة على النمو والاستمرار.
وتبرز هذه المؤشرات أهمية الصرف الصحي بوصفه أحد المحاور الحاكمة للتنمية العمرانية؛ إذ لا يقتصر دوره على حماية الصحة العامة والبيئة، وإنما يمتد إلى تمكين التجمعات السكنية من التوسع المنظم، ورفع جاذبيتها للاستثمار، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للسكان. كما يمثل استكمال التغطية في المناطق الريفية والتجمعات الأكثر احتياجًا جزءًا أساسيًا من تحقيق التوازن في توزيع الخدمات بين المدن والقرى.
توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر
وعلى صعيد موازٍ، اتجهت الدولة إلى توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر باعتبارها أحد الحلول الداعمة لتأمين الاحتياجات المائية، لا سيما في المدن الساحلية والمجتمعات العمرانية الجديدة. وارتفع عدد محطات التحلية من 36 محطة بطاقة إجمالية بلغت 84 ألف متر مكعب يوميًا عام 2014 إلى 129 محطة بطاقة إجمالية تبلغ 1.4 مليون متر مكعب يوميًا، بما يعكس تطورًا ملحوظًا في قدرات إنتاج المياه المحلاة.
ويكتسب هذا التوسع أهمية مع امتداد التنمية العمرانية إلى مناطق تتطلب مصادر مياه إضافية، الأمر الذي يجعل التخطيط للمرافق مرتبطًا بصورة مباشرة بتحديد مواقع التوسع السكاني والاستثماري، وتقدير احتياجاته المستقبلية، مع مراعاة كفاءة استخدام المياه والطاقة وتكاليف التشغيل والصيانة.
وفي إطار دعم المجتمعات العمرانية الجديدة، بلغت تكلفة المرافق بها خلال 12 عامًا 357.7 مليار جنيه، بما يبرز حجم الاستثمارات المرتبطة بإعداد هذه المجتمعات لاستقبال السكان والأنشطة المختلفة. كما ارتفعت أطوال الطرق داخل المدن الجديدة من نحو 8 آلاف كيلومتر إلى نحو 18 ألف كيلومتر عام 2026، في مؤشر على اتساع شبكات الربط والحركة داخل هذه المدن، ودورها في تيسير الوصول إلى مناطق السكن والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وتعكس هذه الأرقام أن التوسع العمراني لا يعتمد على إقامة الوحدات السكنية وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة من المرافق وشبكات الطرق التي تهيئ المدن لاستقبال السكان والأنشطة الاقتصادية.
ومن ثم، فإن تحقيق الاستفادة المستدامة من هذه الاستثمارات يرتبط بمدى التنسيق بين تنفيذ البنية الأساسية ومراحل الإشغال الفعلي، فضلًا عن كفاءة إدارة الأصول وصيانتها لضمان استمرار الخدمات بالمستوى المطلوب.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المرحلة المقبلة في رفع كفاءة الأصول القائمة، وضمان تكامل شبكات المرافق مع خطط التوسع السكاني، وتطوير أساليب إدارة التشغيل والصيانة، إلى جانب استكمال المشروعات التي تستهدف المناطق والقرى التي لم تصل إليها الخدمات بالمستوى المطلوب. فزيادة الطاقة الإنتاجية للمياه، والتوسع في معالجة الصرف الصحي، وإقامة محطات التحلية، جميعها عناصر تحتاج إلى منظومة إدارة قادرة على تحويل القدرات الإنشائية إلى خدمات مستقرة وفعالة.
وتشير حصيلة الاستثمارات والمشروعات التي شهدها القطاع إلى أن البنية الأساسية أصبحت ركيزة رئيسية في خريطة التنمية العمرانية المصرية، سواء من خلال تحسين إتاحة الخدمات في المناطق القائمة، أو دعم المجتمعات الجديدة، أو تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج. غير أن التحدي الأهم يتمثل في تعظيم العائد التنموي من هذه الاستثمارات، عبر ضمان جودة الخدمة واستمراريتها وتحقيق التكامل بين المرافق والإسكان والنقل والأنشطة الاقتصادية.
وبينما تطرح جلسة التنمية الحضرية والعمرانية في منتدى مصر 2026 رؤى المرحلة المقبلة، تظل كفاءة المرافق والبنية الأساسية أحد المعايير الحاسمة لقياس قدرة التوسع العمراني على تحقيق أهدافه؛ فالتنمية لا تكتمل بمجرد إقامة المدن أو مد الشبكات، وإنما بقدرة هذه المنظومة على توفير حياة أفضل للمواطن، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد على المدى الطويل.