موهبة نادرة، ذاكرة قوية تستوعب جيدا كل ما تعيشه وتراه أوتسمعه، استطاع أن يستدعي منها ما يناسب الموضوع الذي يعالجه، وخيال خصب جامح يعيد ترتيب تلك الجزئيات ويستكمل ما ينقصها من وقائع شخصيات لتبدو في النهاية عمل شامخ متماسك، حتى أنه طوال سنوات حياته لم ينضب خياله يوما من المخزون الحافل من صور الحياة الشعبية في «حي الجمالية» حيث عاش، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لم يحصل نجيب محفوظ على ما يستحق من استقرار مادي كأديب وكاتب مصري على مدار الخمسين عاما الأولى في حياته، وعانى حتى عامه الستين في الاستمرار بعمله الحكومي لتوفير مرتب ثابت.
موظف حكومي
ظل الأديب الراحل نجيب محفوظ، الذي تحل اليوم ذكرى ميلاده الـ 110، موظفا حكوميا منذ تخرجه في قسم الفلسفة بآداب القاهرة سنة 1934، حتى بلوغه سن الستين عام 1971، عمل بإدارة جامعة القاهرة، ثم بمصلحة «القرض الحسن» بوزارة الأوقاف، ومصلحة الفنون مع يحيى حقي، وأخيرا وزارة الثقافة، هذه التنقلات عطلت حياته الأدبية ولكنها في الوقت نفسه أضافت إلى مخزون ذاكرته الكثير من الصور والشخصيات والموضوعات.
اعتاد الأديب الراحل بدء يومه باكرا في السادس صباحاليمضي أكثر من 8 ساعات يوميا جالسا على مكتبه في وظيفته الحكومية التي لم توفر له إلا عمل ثابت، ساعات النهار وما بها من نشاط حيث يخطر له الكثير من الأفكار كانت تنتهي بشكل روتيني في ساعات العمل، حتى خاض عدة معارك للاهتمام به كأديب وكاتب وتوفير ما يستحقه لحياة كريمة مع الحفاظ على موهبته في الكتابة.
الأدب مهنة ثالثة
عبر محفوظ عن مدى ضيقه بالوظيفة الحكومية في حديث نشر عنه بمجلة «الأدب» في فبراير عام 1959، يدافع فيه عن تفرغ الادباء، واختمه بالحديث عن نفسه قائلا:
«أما أنا فأغلى أماني في الحياة أن تتاح لي فرصة الاستقرار والتفرغ للعمل الأدبي ولكني لا أريد مع ذلك أن يأتي شهر اضطر فيه إلى اقتراض النقود، لذلك فأنا الآن موظف وكاتب سينمائي ثم أديب بعد ذلك، اي أن الأدب هو مهنتي الثالثة، ولو ضمنت الدولة لي مائة جنيه في الشهر لكان هذا تقديرا أفضل من جائزة الدولة، ولقدمت لها كل إنتاجي الأدبي لنشره وإعداده للمسرح والسينما دون مقابل، وأعتقد أنها لن تكون خاسرة».
وكشف فؤاد دواره في مقال عن نجيب محفوظ نشر في مجلة «الكواكب» أكتوبر عام 1988 أن هذا المقال لم يكتبه نجيب محفوظ بفسه، ولكن أملاه على فؤاد عام 1959 خلال تواجدهما في في المكتب القديم بمصلحة الفنون، وكان إسهاما منه في محاولة تنشيط مجلة «الأدب» التي كان يصدرها الشيخ أمين الخولي بإمكاناته المادية المحدودة.
حلم الـ 100 جنيه !
«أنت موظف حكومي.. هل ساعدك هذا على التفرغ للكتابة ؟» وقع هذا السؤال على نجيب محفوظ محزنا خلال حواره مع مجلة «الكواكب» لعام 1958، وكأنه إعادة تذكير بأنه بحاجة إلى العمل الروتيني لتوفير مصاريف الحياة، ابتسم في مرارة وقال: "الواقع أن وقت الكتابة نخطفه خطفا من أوقات الفراغ".
كان يمضي أفضل ساعات النهار نشاطا في العمل الحكومي، حتى أنه اقترح يوما على وزارة الإرشاد أن تعين الأدباء بمكافآت مع اقتصار عملهم على فترة نصف النهار الأول فقط، وكان مطلبه أن تكون المكافآت مجزية حتى يتفرغ الكاتب لأعماله الأدبية فقط، وتطرق إلى نقطة أخرى وهي رغبته في التفرغ للكتابات الأدبية فقط وعدم اللجوء للكتابة إلى السينما أو المسرح وكأنها كانت وسيلة لتوفير المال فقط.
«لا تسألني عن ثروتي أو ما كسبته من الكتابة، فمكسب الأدب للأسف لا يذكر ومن الأكرم ألا يُذكر» هذا كان رد كاتب الواقعية الصادم، وهذا كان السبب في اتجاهه للسينما، التي كانت وسيلته الوحيدة لتوفير مال أكبر من مرتبه الحكومي ومقابل الأعمال الأدبية، وكان ترتيب أعماله: موظف حكومي، كاتب سينمائي وأخيرا أديب مع أنه فضل أن يكتفي بأن يكون أديب فقط.
عناد الثيران
«الكتابة وحدها لا تكفي» مبدأ سار عليه الأديب العالمي، وكان حريصا على إضافة العلوم البسيطة والفنون المتصلة بالآداب كالتصوير، النحت والعمارة، وحين وجد صعوبة في قراءة الموسيقى وتعلمها، التحق بمعهد الموسيقى العربية لدراسة العزف على القانون، كان لديه إصرارا قويا على مواصلة حلم الكتابة دون انتظار مقابل.
حماسه لم ينضب يوما، إصراره وعناده مستمر حتى أنه وصفه قائلا:«بعد أزمة النشر جاءت أزمة الإهمال.. أتعلم ما الذي جعلني أستمر ولا ايأس، لقد اعتبرت كالفن حياة لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع أن تشغل بالك بانتظار الثمرة، أما أنا فقد حصرت اهتمامي بالإنتاج نفسه وليس ما وراء الإنتاج، كنت أكتب وأكتب وأكتب لا على أمل أن الفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت اكتب وأنا معتقد أني سأظل على هذا الحال دائما،، أتعرف عناد الثيران؟ إنه خير وصف للحالة النفسية التي كنت أعمل تحت تأثيرها».