لم يكن الإعلان الإسرائيلي عن استعادة جثمان آخر محتجز في قطاع غزة حدثا إنسانيا أو إجرائيا معزولا، بقدر ما شكل لحظة سياسية كاشفة أنهت واحدة من أكثر أوراق المناورة استخداما في مسار اتفاق وقف إطلاق النار.
فمع إغلاق هذا الملف، تسقط الذريعة التي استندت إليها حكومة بنيامين نتنياهو طويلا لتأجيل تنفيذ التزامات واضحة، وتنتقل المواجهة من إدارة الأعذار إلى اختبار الإرادة السياسية في احترام ما تم الاتفاق عليه، داخليا ودوليا.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور جهاد أبو لحية، إن المشهد يحمل أبعادا سياسية تتجاوز طقوس الدفن ذاتها، أسدل الستار أمس عن آخر ورقة استخدمتها حكومة بنيامين نتنياهو طويلا للمناورة والتهرب من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُقر في شرم الشيخ برعاية مصرية-أميركية-قطرية تركية.
وأضاف أبو لحية- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن الإعلان الإسرائيلي عن العثور على جثمان آخر محتجز إسرائيلي كان موجودا في قطاع غزة لا يمثل فقط نهاية ملف معقد، بل يطوي صفحة استُخدمت سياسيا لتبرير تعطيل تنفيذ بنود واضحة في الاتفاق، خاصة ما يتعلق بفتح المعابر، إدخال المساعدات، وتخفيف القيود المفروضة على القطاع، استعادة الرفات أكّدها الجيش الإسرائيلي رسميا، في خطوة أنهت ملف الجثامين الإسرائيلية في غزة.
وأشار أبو لحية، إلى أن طوال الأشهر الماضية، تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع ملف الجثامين باعتباره أداة ضغط تفاوضية، وربطت التقدم في ملفات إنسانية وسياسية أخرى بإنهاء هذا الملف أولا، وهذا الربط منح تل أبيب هامشا واسعا لتأجيل تنفيذ التزامات المرحلة التالية من التهدئة، بينما كانت الإدارة الأميركية تظهر تفهما للموقف الإسرائيلي وتتماهى معه في كثير من الأحيان ضمن إدارة مسار الاتفاق المرحلي.
وتابع: "غير أن الإعلان عن استعادة الجثمان الأخير أزال الذريعة الأكثر حساسية التي استندت إليها إسرائيل لتبرير البطء أو التعطيل، ووضعها أمام استحقاق واضح: تنفيذ ما تبقى من التزامات الاتفاق دون مواربة، وإنهاء ملف المحتجزين والجثامين كان ينظر إليه بوصفه محطة مفصلية في مسار الهدنة، كما أشارت تقارير دولية تناولت الانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيدا بعد استعادة الرفات".



